الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

*من البيضاء إلى سوس ماسة.. هل تحولت التزكيات الحزبية إلى جواز سفر انتخابي؟*

IMG-20260830-WA0042

 

 

 

 

أعاد إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار، مساء السبت 29 غشت 2026، تزكية زكية الدريوش وكيلة للائحته الجهوية النسائية بجهة سوس ماسة، فتح نقاش سياسي وقانوني واسع حول مفهوم التمثيلية الجهوية وحدود العلاقة التي يفترض أن تربط المرشح بالمجال الذي يسعى إلى تمثيله، خصوصاً أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الدريوش تقيم بالدار البيضاء، وأن ارتباطها الانتخابي كان بالعاصمة الاقتصادية، قبل أن يتم اختيارها لقيادة اللائحة الجهوية للحزب بجهة سوس ماسة، وهو الأمر الذي دفع عدداً من المتابعين إلى طرح سؤال مباشر وبسيط: هل مكان الازدياد أو الإقامة أو التسجيل في اللوائح الانتخابية هو الذي يحدد مكان الترشح، أم أن القانون يفتح المجال أمام المرشح لخوض الانتخابات في جهة لا يقيم بها؟ وإذا كان الأمر قانونياً، فما هي الشروط والضوابط التي تسمح بذلك؟ وإذا كان الأمر متاحاً قانونياً، فهل يعني ذلك بالضرورة أنه مقبول سياسياً وشعبياً؟ القضية هنا لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام شخصي لزكية الدريوش، ولا إلى إصدار أحكام قانونية من خارج المؤسسات المختصة، وإنما تستحق نقاشاً سياسياً صريحاً حول فلسفة التمثيلية الجهوية، لأن الناخبين في سوس ماسة من حقهم أن يعرفوا لماذا اختار الحزب امرأة من خارج النسيج السياسي والانتخابي المحلي لقيادة لائحته النسائية الجهوية، في وقت تزخر فيه الجهة بعشرات الكفاءات النسائية اللواتي راكمن سنوات من العمل السياسي والجمعوي والمهني والميداني، ويعرفن عن قرب مشاكل أكادير وإنزكان أيت ملول واشتوكة آيت باها وتارودانت وتيزنيت وطاطا، ويعشن يومياً قضايا النساء والشباب والعالم القروي والبطالة والصحة والتعليم والماء والنقل والاستثمار والتنمية المجالية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «هل يحق لزكية الدريوش الترشح بسوس ماسة؟»، وإنما: «ما الذي جعل حزب التجمع الوطني للأحرار يرى فيها الخيار الأنسب لتمثيل نساء سوس ماسة؟» وهل كان معيار الاختيار هو الكفاءة والتجربة الحكومية، أم الحضور داخل القيادة الحزبية، أم القدرة الانتخابية، أم أن القرار جاء من المركز الحزبي باعتباره اختياراً سياسياً جاهزاً؟ وإذا كان الحزب يعتبر أن الدريوش تتوفر على المؤهلات التي تجعلها الأجدر بقيادة اللائحة، فمن حق الرأي العام أيضاً أن يعرف لماذا تم تجاوز الكفاءات النسائية المحلية، وما هي المعايير التي تم اعتمادها في عملية الانتقاء؟ فالقانون شيء، والسياسة شيء آخر، والناخب في النهاية لا يصوت للقانون وإنما يصوت للأسماء والبرامج والقناعات، والشرعية الانتخابية لا تمنحها التزكية الحزبية وإنما تمنحها صناديق الاقتراع، لذلك فإن وجود مرشحة تستوفي الشروط القانونية، إذا ثبت ذلك رسمياً، لا يلغي حق المواطنين في مساءلة الحزب عن اختياره السياسي، ولا يلغي حق نساء سوس ماسة في طرح سؤال جوهري: أين نحن من شعار تمكين الكفاءات المحلية؟ وهل أصبح الانتماء الجهوي مجرد تفصيل يمكن تجاوزه بقرار من القيادة المركزية؟ إن سوس ماسة ليست مجرد خريطة انتخابية تُملأ بالأسماء عند اقتراب الاستحقاقات، وليست مجرد رقم انتخابي يمكن لأي حزب أن يبحث داخله عن أصوات، بل هي جهة لها تاريخها وخصوصياتها وكفاءاتها ونخبها ونساؤها ورجالها، وبالتالي فإن تمثيلها يحتاج إلى أكثر من مجرد وضع اسم على رأس لائحة، ويحتاج إلى علاقة حقيقية بالمجال وبقضايا المواطنين وبانتظاراتهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلائحة جهوية نسائية يفترض أن تكون واجهة سياسية لنساء الجهة وصوتاً لقضاياهن داخل المؤسسة التشريعية، ومن هنا يصبح اختيار شخصية قادمة من خارج المشهد المحلي مثاراً للتساؤل، ليس لأنها لا تملك الكفاءة، وإنما لأن السؤال المشروع هو: لماذا لم تمنح الأولوية للكفاءات التي صنعت حضورها داخل الجهة؟ ولماذا لا يتم الاستثمار في نساء سوس ماسة اللواتي خضن المعارك الانتخابية والسياسية والجمعوية وواجهن مشاكل المواطنين في الميدان؟ ثم إن هذه الواقعة تفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجاً: إذا كان بإمكان سياسي أن يترشح في جهة لا يقيم بها، فلماذا لا يحق لأي مواطن مستقبلاً أن يقول: «إذا كان بإمكاني الترشح في وجدة أو طنجة أو مراكش أو فاس، فلماذا لا أفعل؟» هنا بالضبط تتضح أهمية التمييز بين الحق القانوني والقبول السياسي، فالقانون يحدد شروط الترشح، لكن السياسة تحدد مستوى الثقة، والناخبون هم من يمنحون الشرعية النهائية، ولذلك فإن النقاش حول تزكية زكية الدريوش لا ينبغي اختزاله في سؤال قانوني ضيق، بل يجب أن يتحول إلى نقاش حول معنى التمثيلية الجهوية وحول علاقة الأحزاب بقواعدها المحلية، وحول ما إذا كانت التزكيات أصبحت قراراً مركزياً لا يراعي دائماً خصوصيات الجهات وكفاءاتها، وفي الوقت الذي يطالب فيه المواطنون الأحزاب بتجديد النخب وإعطاء الفرصة للنساء والشباب والكفاءات المحلية، فإن وضع اسم سياسي وطني على رأس لائحة جهوية يطرح بالضرورة سؤالاً حول مدى انسجام الممارسة مع الخطاب، خصوصاً إذا كانت هناك أسماء نسائية محلية كانت تطمح إلى هذه المسؤولية وتتوفر على تجربة ميدانية داخل الجهة، ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس التشكيك في قانونية ترشح زكية الدريوش دون وثائق رسمية، وإنما مطالبة الحزب بتقديم توضيحات واضحة للرأي العام حول معايير الاختيار، كما أن من حق المواطنين معرفة العلاقة الانتخابية والسياسية التي تربط وكيلة اللائحة بالجهة، ومن حقهم أيضاً أن يسألوا عن البرنامج الذي ستخوض به الانتخابات، وعن القضايا التي ستدافع عنها، وعن مدى استعدادها لتحمل مسؤولية تمثيل جهة كاملة وليس مجرد قيادة لائحة حزبية، فالمواطن السوسي لا يحتاج إلى أسماء لامعة فقط، بل يحتاج إلى من يعرف واقعه ويدافع عن مصالحه ويستمع إلى مشاكله، وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل أصبحت الجغرافيا الانتخابية مجرد قرار حزبي، أم أن للجهة حقاً في أن تختار من يمثلها؟ وهل أصبح بإمكان أي قيادة حزبية أن تأتي باسم من خارج الجهة وتضعه على رأس لائحة محلية ثم تطلب من أبناء المنطقة التصويت عليه، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض على الأحزاب مراجعة طريقة اختيار مرشحيها وإعطاء الأولوية للكفاءات المرتبطة فعلياً بالمجال؟ إن سوس ماسة لا ترفض المنافسة ولا تخاف من الأسماء القادمة من خارجها، لكنها تريد قبل كل شيء أن تفهم منطق الاختيار، لأن التمثيلية ليست مجرد قرار حزبي، والانتخابات ليست مجرد عملية توزيع للتزكيات، والثقة لا تُفرض من المركز، وإنما تُبنى في الميدان وتُختبر يوم الاقتراع، أما الحسم في أهلية الترشح، فذلك شأن القانون والجهات المختصة، وأما الحسم في أهلية المرشح لتمثيل المواطنين، فذلك حق الناخبين وحدهم.