سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية
في فضاء «رولان غاروس» بالعاصمة الفرنسية باريس، وأمام نحو ستة آلاف من رجال الأعمال وأرباب المقاولات والفاعلين الاقتصاديين، جلس سبعة من أبرز الوجوه السياسية الفرنسية، الأربعاء الماضي، في واحدة من أولى المواجهات السياسية الكبرى استعداداً للانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027.
اللقاء، الذي نظم في إطار الجامعة الصيفية لاتحاد المقاولات الفرنسية «ميديف» (MEDEF)، لم يكن تجمعاً حزبياً ولا مناسبة انتخابية تقليدية، بل مناظرة سياسية امتدت لساعات، وضعت الشخصيات المتنافسة أمام أسئلة دقيقة حول مستقبل الاقتصاد الفرنسي، والدين العمومي، والضرائب، وإصلاح التقاعد، والقدرة الشرائية، وتنافسية المقاولات.
كان المشهد في ظاهره فرنسياً صرفاً، لكنه يطرح، بالنسبة إلى المتابع للمشهد السياسي المغربي، سؤالاً يتجاوز الحدود والجغرافيا: متى تتحول الانتخابات عندنا إلى منافسة حقيقية بين المشاريع؟
سبعة سياسيين.. وسبع مقاربات
ما ميز اللقاء لم يكن عدد المشاركين ولا حجم الحضور فقط، بل طبيعة الاختلاف الذي ظهر بين المتدخلين.
لم يكن المتنافسون يقدمون الخطاب نفسه بصيغ مختلفة، ولم يكن الاتفاق هو القاعدة. على العكس، كان لكل طرف تصور مختلف حول كيفية إدارة الاقتصاد، وتمويل السياسات الاجتماعية، ومعالجة العجز، والتعامل مع الضرائب وتكاليف الإنتاج.
كان الخلاف واضحاً.
وهذا، في الواقع، ما يفترض أن تكون عليه السياسة.
فالسياسة لا تصبح ذات معنى عندما يتفق الجميع على العناوين العامة، وإنما عندما تختلف القوى السياسية حول الطرق والوسائل والأولويات.
الجميع قد يتفق على ضرورة تحسين القدرة الشرائية، لكن السؤال هو: كيف؟
والجميع يريد خفض البطالة، لكن بأي سياسة اقتصادية؟
والجميع يتحدث عن إصلاح الصحة والتعليم، لكن من أين سيأتي التمويل؟
هنا تبدأ الحدود الحقيقية بين المشاريع.
قبل الانتخابات بسنة… تبدأ الأسئلة الكبرى
الأكثر إثارة في المشهد الفرنسي أن الانتخابات الرئاسية لا تزال تفصل عنها أشهر طويلة، ومع ذلك بدأ النقاش العمومي مبكراً حول الخيارات الكبرى التي ستواجه البلاد.
هذه النقطة بالذات تستحق التوقف.
فالانتخابات ليست مجرد حدث يقع في يوم محدد، بل هي مسار سياسي طويل يبدأ بتقديم الأفكار ومناقشتها، قبل أن يتحول إلى أصوات وصناديق.
وحين يدخل المرشح إلى السباق الانتخابي، لا يفترض أن يكون السؤال الوحيد هو حجم شعبيته أو قدرته على الفوز، بل أيضاً مدى قدرته على إقناع المجتمع بمشروعه.
لهذا كانت مناظرة «ميديف» أكثر من مجرد مواجهة بين سياسيين. لقد كانت اختباراً مبكراً للأفكار أمام جمهور يمثل جزءاً أساسياً من الاقتصاد الفرنسي.
رجال أعمال لا يبحثون عن الخطب الحماسية، بل عن إجابات تتعلق بالضرائب والاستثمار وتكلفة العمل والنمو والقدرة التنافسية.
بمعنى آخر، وضع السياسيون أمام جمهور يريد أن يعرف ما الذي سيحدث للاقتصاد إذا وصل هذا أو ذاك إلى السلطة.
وماذا عن نقاشنا السياسي؟
من الصعب ألا يقارن المتابع المغربي بين هذا النوع من اللقاءات وبين طبيعة النقاش الذي يسبق عادة استحقاقاتنا الانتخابية.
في المغرب، لا يمكن القول إن الأفكار غائبة تماماً، أو إن الأحزاب لا تملك برامج انتخابية. المشكلة أن البرامج غالباً لا تكون في قلب النقاش العمومي.
الذي يحتل الواجهة في كثير من الأحيان هو شيء آخر.
التحالفات. الاستقطابات.
الانتقالات بين الأحزاب. التزكيات.
الأسماء التي ستترشح.
ومن سيقود اللوائح.
وهي كلها تفاصيل تدخل في العملية الانتخابية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى جوهر السياسة.
لأن المواطن، في النهاية، لا يعيش آثار التحالفات الحزبية بقدر ما يعيش نتائج السياسات العمومية.
لا يهمه فقط من فاز بالمقعد، بل ماذا سيفعل صاحب المقعد بعد الفوز.
ولا يحتاج إلى معرفة عدد المنتخبين الذين استقطبهم حزب معين بقدر حاجته إلى معرفة ما الذي يقترحه هذا الحزب بشأن المدرسة والمستشفى وفرص الشغل والضرائب والقدرة الشرائية.
من منافسة الأسماء إلى منافسة المشاريع
المشكلة ليست في وجود تنافس حول المرشحين، فهذا أمر طبيعي في كل الديمقراطيات.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح قيمة السياسي مرتبطة فقط بقدرته على الفوز في دائرة انتخابية، وليس بما يحمله من أفكار.
عندها تتحول الانتخابات إلى عملية تجميع للأسماء، بدل أن تكون عملية تنافس بين المشاريع.
والحزب الذي يضم أكبر عدد من المنتخبين ليس بالضرورة الحزب الذي يملك أفضل تصور لمستقبل البلاد.
كما أن المرشح المعروف محلياً ليس بالضرورة الأكثر قدرة على الدفاع عن السياسات التي يحتاجها المجتمع.
لهذا تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى إعادة الاعتبار للنقاش السياسي الحقيقي.
ليس عبر خطابات إضافية، وإنما عبر مواجهة مباشرة بين التصورات.
لماذا لا نرى مناظرات سياسية حقيقية؟
في المغرب، اعتدنا خلال فترات الانتخابات على المهرجانات الخطابية واللقاءات الجماهيرية والحوارات الإعلامية المنفردة.
لكننا ما زلنا نفتقد، بالشكل الكافي، إلى ثقافة المناظرة السياسية المباشرة.
مناظرات يجلس فيها قادة الأحزاب أمام المواطنين.
يتحدثون عن الملفات نفسها.
يجيبون عن الأسئلة نفسها.
ويقدم كل واحد منهم بديله.
مناظرة حول التعليم وحده.
أخرى حول الصحة.
وثالثة حول الاقتصاد والتشغيل.
حينها فقط يمكن للمواطن أن يقارن.
لا بين البلاغة الخطابية لهذا السياسي أو ذاك، بل بين الحلول التي يقدمها كل طرف.
فالسياسي الذي يقول إنه سيخفض البطالة يجب أن يشرح كيف.
والذي يعد بتحسين القدرة الشرائية عليه أن يحدد الأدوات.
ومن يتحدث عن إصلاح التعليم والصحة ينبغي أن يجيب عن سؤال التمويل.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للبرامج.
لسنا بحاجة إلى استنساخ فرنسا
بطبيعة الحال، ليست التجربة السياسية الفرنسية نموذجاً مثالياً. ففرنسا نفسها تعيش أزمات سياسية واستقطابات حادة وصعوداً للتيارات الشعبوية.
كما أن المقارنة بين نظامين سياسيين مختلفين لها حدودها.
لكن الاستفادة من تجربة ناجحة في جانب معين لا تعني استنساخها بالكامل.
ما يمكن أن نتعلمه من مشهد «رولان غاروس» هو أن السياسة تصبح أكثر فائدة للمجتمع عندما تتقدم الأسئلة الكبرى على التفاصيل الصغيرة.
وأن الاختلاف بين السياسيين ليس مشكلة، بل هو أساس الاختيار الديمقراطي.
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مشهد سياسي هو أن تتشابه المشاريع إلى درجة يصبح معها الناخب غير قادر على معرفة الفرق بين المتنافسين.
المواطن يريد أن يعرف
مع اقتراب أي استحقاق انتخابي، يحتاج المواطن إلى أجوبة أكثر من حاجته إلى الشعارات.
يريد أن يعرف ما الذي سيتغير في حياته.
كيف ستتم معالجة البطالة؟
كيف ستتحسن المدرسة؟
متى سيصبح العلاج العمومي في مستوى الانتظارات؟
كيف ستتم حماية القدرة الشرائية؟
وما هي الخيارات التي تقترحها الأحزاب لضمان اقتصاد قوي قادر على خلق الثروة وفرص العمل؟
هذه ليست أسئلة تقنية تخص الخبراء وحدهم.
إنها أسئلة سياسية بامتياز.
والحزب الذي يريد ثقة المواطنين عليه أن يملك الشجاعة لتقديم أجوبته، ثم قبول وضعها أمام النقد والمقارنة.
لقد كان المشهد الفرنسي بسيطاً في ظاهره: سبعة سياسيين أمام آلاف من الفاعلين الاقتصاديين.
لكنه يحمل فكرة عميقة:
قبل أن يطلب السياسي أصوات الناس، عليه أولاً أن يشرح لهم ماذا سيفعل بها.
وربما يكون هذا هو النقاش الذي نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.
ليس نقاشاً حول من انتقل ومن بقي، ومن ربح هذه الدائرة أو تلك، بل حول سؤال واحد كبير:
أي مغرب نريد خلال السنوات المقبلة، ومن يملك المشروع الأكثر إقناعاً للوصول إليه؟

