بقلم: حَبيل رشيد
الأستاذ عبد السلام بوهوش، نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ينتمي إلى طينة مهنية يصبح معها الحديث عن القضاء حديثًا عن كيفية ممارسة السلطة القانونية أكثر من كونه حديثًا عن مجرد امتلاكها؛ إذ إن الموقع القضائي يمنح صاحبه اختصاصًا محددًا، بينما تمنحه الممارسة الرصينة قدرةً أوسع على فهم الوقائع، واستجلاء الملابسات، وتقدير المآلات، وربط الإجراء بغايته، والقاعدة القانونية بوظيفتها. وبقدر ما تكون النصوص واضحة في رسم الحدود، تظل الوقائع أكثر تعقيدًا في تفاصيلها، ومن ثم فإن جودة العمل القضائي تُختبر أساسًا في المساحة الفاصلة بين النص والواقع… القانون يضع المعيار، والقاضي المتمرس يعرف كيف يطبقه على واقعٍ لا يأتيه في صورة معيارية.
وإذا كان القانون قد أوجد القاعدة لضبط السلوك وحماية الحقوق وصيانة النظام العام، فإن تنزيل هذه القاعدة يقتضي قراءة دقيقة لمكوناتها وشروطها وآثارها؛ لأن الحكم السليم يحتاج إلى تكييف صحيح، والتكييف الصحيح يحتاج إلى وقائع ثابتة، والوقائع الثابتة تحتاج إلى إجراءات سليمة، والإجراءات السليمة تحتاج إلى احترام الضمانات. وبذلك تتضح العلاقة العضوية بين مختلف حلقات العدالة: لا يستقيم التكييف مع خلل في الوقائع، ولا يطمئن القرار مع اضطراب في المسطرة، ولا يكتسب التعليل قوته مع غياب الأساس القانوني… القرار القضائي المتين سلسلة متصلة؛ إذا اختلّ رابط منها اهتزّ البناء كله.
ومن هذا المنطلق تحديدًا تكتسب الحكامة القضائية معناها الحقيقي. فهي لا تعني فقط حسن تدبير المرفق، وتصفية القضايا، وترشيد الموارد، وضبط الآجال، وإنما تمتد إلى صميم صناعة القرار القضائي: كيف يُقرأ الملف؟ كيف تُرتب الوقائع؟ كيف تُفحص الحجج؟ كيف تُستبعد الانطباعات؟ كيف يُختار الإجراء الملائم؟ وكيف تُصاغ النتيجة على نحو يجعلها قابلة للفهم والمراجعة والرقابة؟ لذلك فإن الحكامة في القضاء تبدأ من جودة التفكير الذي يسبق القرار، لأن الحكم الذي يأتي من قراءة مرتجلة يظل معرضًا لارتداداتها مهما بدا منطوقه حاسمًا… جودة الحكم تُصنع قبل النطق به، داخل عملية عقلية لا يراها المتقاضي وتظهر آثارها في النتيجة.
ويترتب عن ذلك أن السلطة التقديرية لا يمكن فهمها باعتبارها حرية منفلتة من كل قيد؛ فهي اختصاص مؤطر بالقانون، ومجال مضبوط بالشرعية، ومسؤولية تفرض التعليل والتجرد والتناسب. وكلما اتسع هامش التقدير، ارتفعت الحاجة إلى الحيطة في استعماله، لأن السلطة التي يمنحها القانون لا تصبح مشروعة لمجرد صدورها عن صاحب الاختصاص، وإنما تزداد مشروعيتها بسلامة أسبابها واتصالها بالوقائع واحترامها للضمانات. ومن هنا، يصبح القاضي أمام معادلة دقيقة: يملك سلطة التقدير، لكنه محكوم بحدودها؛ يقرأ الملابسات، لكنه لا يستبدل النص برأيه؛ يستحضر البعد الإنساني، لكنه لا يجعل العاطفة معيارًا للحكم… السلطة التقديرية قوتها في انضباطها.
وما دام القضاء يتعامل مع وقائع بشرية، فإن الملف القضائي لا يظل حبيس أوراقه؛ إذ قد تمتد آثاره إلى الأسرة والعمل والسمعة والاستقرار الاجتماعي. غير أن استحضار هذه الأبعاد يحتاج إلى ميزان قانوني دقيق حتى لا تتحول الاعتبارات الإنسانية إلى انتقائية، أو يتحول تقدير الظروف إلى محاباة. لذلك يصبح القاضي مطالبًا بالتمييز بين المراعاة المشروعة والتسامح غير المؤسس، وبين تفريد المعاملة القضائية وبين ازدواجية المعايير، وبين فهم الملابسات وبين تبرير السلوك المخالف للقانون… الإنصاف لا يعني تخفيف القانون، وإنما يعني تطبيقه على وقائعها الحقيقية.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم «روح القانون»، الذي كثيرًا ما يُستعمل بصورة فضفاضة، بينما دلالته القضائية أكثر انضباطًا؛ فاستحضار روح النص لا يعني تجاوزه، ولا استبدال حكمه بإرادة شخصية، وإنما يعني فهم الغاية التشريعية، واستيعاب السياق الذي جاءت فيه القاعدة، ثم تنزيلها على الواقعة بما يحقق المقصد القانوني الذي من أجله وُضعت. ونتيجة لذلك، يصبح الفرق واضحًا بين القراءة الحرفية التي تتوقف عند ظاهر العبارة، والقراءة القانونية التي تبحث عن المعنى داخل منظومة التشريع كلها… حرفية النص تحفظ العبارة، أما فقه النص فيحفظ الغاية.
وبهذه الزاوية يمكن فهم بعض الممارسات القضائية التي تمنح للعدالة بعدها الإصلاحي، خصوصًا في المجالات التي يتيح فيها التشريع بدائل أو آليات للصلح أو التخفيف أو إعادة الإدماج أو معالجة النزاع بوسائل أقل كلفة اجتماعية. فالمقاربة الإصلاحية لا تناقض الردع، كما أن الاعتبار الاجتماعي لا يلغي المسؤولية القانونية؛ إذ إن السياسة الجنائية الحديثة تقوم على تعدد الأهداف، من حماية المجتمع إلى الوقاية، ومن الردع إلى الإصلاح، بحسب طبيعة الأفعال وشروط كل آلية قانونية.
وعليه، فإن القاضي الذي يستحضر مآلات قراره لا يتخلى عن وظيفته الزجرية، وإنما يمارسها ضمن رؤية أوسع لوظيفة الجزاء. فالغاية من العقوبة تتصل بحماية المجتمع وتقويم السلوك وتحقيق الردع، بينما قد تسمح بعض الوضعيات القانونية بمقاربات أكثر ملاءمة لتحقيق تلك الأهداف دون تحميل المجتمع تبعات جانبية تفوق الحاجة الزجرية. ومن ثم، يصبح حسن التقدير عنصرًا من عناصر النجاعة القضائية، لا خروجًا عنها… العقوبة وسيلة من وسائل العدالة، وليست تعريفًا وحيدًا لها.
ولذلك فإن القضاء المتبصر يرفض الثنائية السهلة بين الحزم واللين؛ فالحزم الحقيقي قد يكون في اختيار الإجراء الملائم، والصرامة المهنية قد تظهر في التدقيق أكثر مما تظهر في التشدد، والهيبة المؤسسية قد تتجسد في هدوء القرار بدل ارتفاع نبرة الخطاب. وبالمنطق نفسه، فإن احترام المتقاضي لا ينتقص من سلطة القضاء، وإنما يعززها، لأن المواطن يقبل القرار بصورة أعمق عندما يرى أن قضيته خضعت للفحص والتمحيص وأن النتيجة جاءت من مسار قانوني مفهوم… هيبة القضاء لا تحتاج إلى قسوة في الأسلوب؛ يكفيها أن تكون مشروعيته راسخة.
ومن هذه الزاوية يكتسب حضور الأستاذ عبد السلام بوهوش دلالته المهنية؛ إذ إن القيمة التي تستحق الإشادة في رجل القضاء لا تكمن في كثرة الظهور ولا في قوة الحضور الإعلامي، وإنما في الرصيد الذي تتركه الممارسة داخل الملفات، وفي الطريقة التي تُدار بها الإجراءات، وفي دقة التقدير، وفي صيانة مقتضيات المشروعية. القاضي الذي يشتغل بعيدًا عن الأضواء قد يترك أثرًا أعمق من ذلك الذي يملأ المنابر حديثًا عن العدالة… بعض القضاة تُعرّفهم أحكامهم، وتُعرّفهم أكثر الطريقة التي وصلوا بها إلى تلك الأحكام.
وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة القضائية يقود حتمًا إلى الحديث عن أخلاقيات الممارسة؛ فاستقلال القرار يحتاج إلى التجرد، والسلطة تحتاج إلى المسؤولية، والاختصاص يحتاج إلى المعرفة، والسرعة تحتاج إلى التثبت، والنجاعة تحتاج إلى الجودة. هذه العناصر لا تعمل منفصلة، وإنما يؤثر بعضها في بعض، ولذلك فإن أي إصلاح قضائي يراهن على النصوص والرقمنة والهياكل وحدها يظل محتاجًا إلى العنصر البشري الذي يمنح تلك الأدوات معناها العملي… التشريع يهيئ أدوات العدالة، والقاضي يحدد قيمة استعمالها.
ولعل هذا هو الفارق بين القضاء بوصفه جهازًا للفصل، والقضاء بوصفه مؤسسة للإنصاف؛ الأول ينتهي عند حسم النزاع، أما الثاني فيضع الحسم داخل منظومة أوسع من الأمن القضائي وحماية الحقوق وصيانة الثقة العامة. ومن ثم، فإن جودة العدالة لا تُقاس فقط بعدد الملفات المصروفة أو بسرعة البت، وإنما كذلك بسلامة المسار، ورصانة التعليل، واحترام الضمانات، واستقامة التقدير، وقدرة المؤسسة على إقناع المواطن بأن القانون يطبق وفق قواعد واضحة ومعايير منضبطة.
وعندما تجتمع هذه العناصر في الممارسة اليومية، يصبح مفهوم الحكامة القضائية أكثر من مصطلح إداري؛ يتحول إلى ثقافة مهنية قوامها التبصر، والانضباط، والتجرد، والنجاعة، وحسن تدبير السلطة، والوعي بمآلات القرار. وفي هذا الإطار تحديدًا تبرز قيمة النماذج القضائية التي تجعل من العمل اليومي ميدانًا لتكريس هذه المبادئ، ومن الأستاذ عبد السلام بوهوش نموذجًا يمكن قراءته من هذه الزاوية المهنية.
إن القضاء الذي نطمح إليه يحتاج إلى قاضٍ يعرف النص ويقرأ سياقه، يحترم المسطرة ويفهم وظيفتها، يستعمل سلطته ويعرف حدودها، يزن الوقائع ويستبعد الانطباع، يستحضر الإنسان ويحمي القانون، يطلب النجاعة دون تسرع، ويبحث عن الردع دون أن يحوّل العقوبة إلى غاية منفصلة عن فلسفتها.
وهنا تستقر الفكرة في موضعها الطبيعي: «روح القانون» لا تعني أن يصبح القاضي فوق النص، وإنما أن يكون داخل النص قادرًا على إدراك حكمته؛ والحكامة القضائية لا تعني أن يصبح القضاء أكثر ليونة، وإنما أن يصبح أكثر عقلانية واتزانًا ونجاعة؛ والعدالة لا تُقاس بقسوة القرار، وإنما بمدى مشروعيته، وتناسبه، وقوة تعليله، وقدرته على تحقيق الغاية القانونية التي صدر من أجلها.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للقضاء… أن يبقى القانون سيدًا، وتظل السلطة مقيدة بالمشروعية، ويظل الإنسان حاضرًا في تقدير آثار القرار، وتظل العدالة قادرة على الجمع بين قوة النص ورجاحة العقل. فأرقى ممارسة قضائية هي التي تجعل القانون أكثر قوة لأنه طُبّق بذكاء، وأكثر عدلًا لأنه فُهم بعمق.

