الأحداث الوطنية|أقلام حرة

الحكامة القضائية وتحديث وظائف التفتيش: المفتش العام للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية عبد الله حمود ورهان النجاعة القضائية.

IMG-20260606-WA0054

 

بقلم : حَبيل رشيد.

 

في ظل التحولات الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة، أضحت الحكامة القضائية إحدى المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها مشروع إصلاح العدالة، باعتبارها منظومة قانونية ومؤسساتية متكاملة تستهدف تعزيز النجاعة القضائية وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع ضمان الاحترام الكامل لاستقلال السلطة القضائية وصيانة حقوق المتقاضين. وفي صلب هذا الورش الإصلاحي المتجدد يبرز اسم الأستاذ عبد الله حمود، المفتش العام للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره أحد الفاعلين المؤسساتيين الذين ارتبطت مساهماتهم المهنية والفكرية بتطوير آليات التفتيش القضائي وإعادة بناء وظائفه وفق مقاربة حديثة تستجيب لمتطلبات العدالة المعاصرة.

 

ويمثل الأستاذ عبد الله حمود نموذجاً للكفاءة القضائية الوطنية التي راكمت تجربة نوعية داخل منظومة العدالة، حيث يتولى الإشراف على المفتشية العامة للشؤون القضائية، وهي مؤسسة تضطلع بأدوار محورية في مجال التقييم والتدقيق والمراقبة والتتبع والتقويم، بما يضمن حسن سير المرفق القضائي وانتظام عمل المحاكم وفق الضوابط الدستورية والقانونية المؤطرة للسلطة القضائية. وتكتسي هذه المسؤولية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بضمان جودة الأداء القضائي وتعزيز فعالية الإدارة القضائية والرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمتقاضين.

 

ومن خلال مواقفه العلمية والعملية، يدافع الأستاذ عبد الله حمود عن تصور متقدم لمفهوم التفتيش القضائي، قوامه الانتقال من المقاربة التقليدية التي كانت ترتكز على رصد الأخطاء وتتبع الاختلالات ومراقبة أوجه القصور، إلى مقاربة حديثة تجعل من التفتيش القضائي آلية استراتيجية للتطوير والتأهيل والمواكبة واقتراح الحلول. فالحكامة القضائية، في هذا التصور، لا تختزل في ممارسة الرقابة بمفهومها الضيق، وإنما تقوم على إنتاج المعرفة المؤسساتية وتشخيص الإكراهات العملية واستشراف سبل المعالجة وتحسين مؤشرات الأداء والجودة.

 

ولا شك أن هذا التوجه ينسجم مع الفلسفة الدستورية التي جاء بها دستور المملكة، والتي كرست استقلال السلطة القضائية باعتبارها سلطة قائمة الذات، وجعلت من تخليق المرفق القضائي وتعزيز نجاعته والتدبير الرشيد لشؤونه أهدافاً استراتيجية تقتضي تطوير أدوات التقييم والتقويم والمواكبة. ولذلك فإن تحديث وظائف التفتيش القضائي أصبح ضرورة مؤسساتية تفرضها متطلبات المرحلة وتحديات العدالة الحديثة، خاصة في ظل تنامي انتظارات المواطنين وارتفاع الطلب المجتمعي على عدالة ناجزة وفعالة وذات جودة.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الأستاذ عبد الله حمود أن التفتيش القضائي الفعال لا ينبغي أن يقتصر على معاينة الاختلالات بعد وقوعها، وإنما يتعين أن يتحول إلى آلية استباقية تعتمد التشخيص المبكر للإشكالات والتدخل الوقائي لمعالجة مواطن التعثر قبل تفاقم آثارها. كما أن تطوير أداء المحاكم يقتضي اعتماد منهجية علمية قائمة على التدقيق والتقييم وقياس النتائج وتحليل مؤشرات الأداء وتتبع تنفيذ البرامج والمخططات المعتمدة داخل مختلف المؤسسات القضائية.

 

ومن الثابت أن الحكامة القضائية الحديثة تقوم على مجموعة من المرتكزات المتكاملة، في مقدمتها الشفافية والفعالية والمساءلة والجودة والاستمرارية وحسن التدبير. وهذه المرتكزات لا يمكن أن تحقق أهدافها العملية إلا بوجود أجهزة متخصصة تمتلك القدرة على التقييم الموضوعي والتشخيص الدقيق واقتراح الحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ. ومن ثم فإن الدور الذي تضطلع به المفتشية العامة للشؤون القضائية يتجاوز الوظيفة الرقابية التقليدية ليشمل المساهمة في بناء ثقافة مؤسساتية جديدة قوامها التطوير المستمر والتحسين الدائم للأداء القضائي.

 

ويبرز في شخصية الأستاذ عبد الله حمود الجمع بين الخبرة القانونية والرؤية المؤسساتية، حيث يظهر في مختلف مداخلاته حرص واضح على إرساء توازن دقيق بين متطلبات الرقابة وضرورات الاستقلال، وبين مقتضيات التقييم وضمانات الحياد، وبين آليات الضبط الإداري واحترام الوظيفة القضائية. وهو توازن يكتسي أهمية بالغة بالنظر إلى خصوصية المرفق القضائي وما يفرضه من اعتبارات دستورية وقانونية ومهنية دقيقة.

 

كما أن دعوته إلى إدماج بعدي التدقيق والتقييم ضمن وظائف التفتيش القضائي تعكس وعياً متقدماً بأهمية الحكامة القائمة على النتائج والمؤشرات، حيث لم يعد نجاح المؤسسات يقاس فقط بحجم الاختصاصات المخولة لها، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف المرسومة ورفع مستوى الأداء وتحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المرتفقين. ولذلك فإن تقييم برامج العمل وتتبع تنفيذها وتصحيح الاختلالات المرتبطة بها يشكل اليوم أحد أهم المداخل الكفيلة بتعزيز النجاعة القضائية وتحقيق الأمن القضائي.

 

إن الحديث عن الأستاذ عبد الله حمود لا ينفصل عن الحديث عن جيل من الكفاءات القضائية المغربية التي تشتغل في هدوء بعيداً عن الأضواء، وتساهم في تنزيل الأوراش الكبرى لإصلاح منظومة العدالة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء قضاء مستقل وفعال ونزيه يظل أحد الشروط الأساسية لترسيخ دولة المؤسسات والقانون. فالإصلاح القضائي لا يتحقق بالنصوص القانونية وحدها، وإنما يحتاج إلى كفاءات مؤهلة تمتلك القدرة على التفعيل والتأطير والمواكبة والتنفيذ.

 

وبذلك يظل الأستاذ عبد الله حمود، المفتش العام للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أحد الأسماء المرتبطة بمسار تطوير الحكامة القضائية بالمغرب، من خلال دفاعه عن مفهوم حديث للتفتيش القضائي قائم على التقييم والتدقيق والمواكبة والتطوير، بما يعزز جودة العدالة ويرسخ الثقة في المؤسسة القضائية ويكرس مبادئ النجاعة والشفافية والتخليق، في انسجام تام مع الرؤية الإصلاحية التي جعلت من العدالة رافعة أساسية لدولة الحق والقانون وأحد المقومات الجوهرية للتنمية المؤسساتية المستدامة.