بقلم :حبيل رشيد
في الرابع من يونيو 2026، صادق مجلس الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.52 المتعلق بتحديد البيانات اللازمة لمباشرة عملية التحصيل المرتبطة بالإكراه البدني، وذلك في إطار تنزيل مقتضيات المادة 642 من مشروع قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي جاء بحزمة من المستجدات التشريعية الرامية إلى تحديث العدالة الجنائية وتعزيز فعاليتها وملاءمة آلياتها الإجرائية مع متطلبات التحول الرقمي الذي أصبح يشكل أحد المرتكزات الأساسية للإدارة العمومية الحديثة.
ولا يندرج هذا المستجد التنظيمي ضمن خانة التعديلات التقنية البسيطة أو التدابير الإدارية المحدودة الأثر، وإنما يؤشر على تحول نوعي في فلسفة تدبير التنفيذ القضائي بالمغرب، باعتبار أن مرحلة تنفيذ الأحكام تظل الحلقة الحاسمة في دورة العدالة برمتها، وهي المرحلة التي تنتقل فيها القاعدة القانونية من حيز التنظير والتقرير إلى مجال التطبيق والإلزام والإنفاذ. فالأحكام القضائية، مهما بلغت درجة إحكامها القانوني وقوة تعليلها ومتانة أسسها الواقعية، تظل فاقدة لجزء مهم من فعاليتها متى تعثر تنفيذها أو تأخر تفعيل آثارها القانونية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مسطرة الإكراه البدني أهمية استثنائية داخل المنظومة الجنائية والتنفيذية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتنفيذ المقررات القضائية ذات الطابع المالي، وضمان استخلاص الغرامات والصوائر والمبالغ المحكوم بها لفائدة الخزينة العامة أو الجهات المستفيدة قانونا من التنفيذ. ولذلك ظلت هذه المسطرة تحتل موقعا مركزيا داخل منظومة التنفيذ الزجري، باعتبارها إحدى الوسائل القانونية التي خولها المشرع للسلطات المختصة من أجل حمل المحكوم عليه على الوفاء بالتزاماته المالية وفق الشروط والضوابط المحددة قانونا.
وقد عرف الإكراه البدني عبر مختلف المراحل التشريعية التي شهدها القانون المغربي تطورا ملحوظا من حيث الضمانات والإجراءات والقيود القانونية المؤطرة له، وذلك انسجاما مع التوجهات الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنفيذ وضرورات حماية الحقوق والحريات الفردية. فالإكراه البدني لا يشكل عقوبة أصلية مستقلة، كما لا يمثل امتدادا مباشرا للعقوبة السالبة للحرية، وإنما يعد وسيلة قانونية ذات طبيعة تنفيذية تهدف إلى ضمان تنفيذ الالتزامات المالية المترتبة عن الأحكام القضائية النهائية.
غير أن الممارسة العملية كشفت على امتداد سنوات طويلة عن وجود مجموعة من الصعوبات المرتبطة بتدبير هذه المسطرة، سواء على مستوى تبادل المعلومات بين الجهات المتدخلة، أو على مستوى التحقق من المعطيات، أو فيما يتعلق بتتبع مراحل التنفيذ وتحقيق الانسجام بين مختلف المتدخلين في العملية التنفيذية. وقد أدى ذلك في العديد من الحالات إلى بطء الإجراءات، وإطالة آجال المعالجة، وتعدد العمليات الإدارية، وارتفاع الكلفة الزمنية المرتبطة بتنفيذ الأحكام.
وفي هذا السياق بالذات، يكتسي مشروع الرقمنة أهمية استراتيجية، لأنه لا يقتصر على استبدال الدعامة الورقية بالدعامة الرقمية، وإنما يؤسس لنمط جديد في تدبير المعلومة القضائية والتنفيذية. فالمقصود برقمنة مسطرة الإكراه البدني ليس مجرد تحويل الوثائق إلى صيغ إلكترونية، وإنما إرساء منظومة معلوماتية متكاملة تسمح بتجميع البيانات القانونية وتحيينها ومعالجتها وتبادلها وتتبعها داخل فضاء رقمي موحد ومؤمن.
وتتجلى أهمية هذا التوجه في كونه ينسجم مع التحولات العميقة التي تعرفها النظم القضائية الحديثة، حيث أصبحت المعلومة القانونية تشكل عنصرا محوريا في صناعة القرار القضائي والإداري. فكلما كانت المعطيات دقيقة ومحيّنة ومتاحة في الزمن المناسب، ارتفعت فعالية المؤسسات، وتحسنت جودة الخدمات، وتراجعت نسبة الأخطاء والإغفالات والاختلالات المرتبطة بتدبير الملفات.
ومن المنتظر أن تمكن المنصة الإلكترونية الخاصة بمسطرة الإكراه البدني من إحداث نقلة نوعية على مستوى تدبير الملفات التنفيذية، من خلال توفير قاعدة بيانات موحدة تتيح للجهات المختصة الولوج إلى المعطيات الضرورية بشكل فوري، وتتبع مختلف مراحل التنفيذ بصورة دقيقة، مع ضمان تحيين المعلومات بشكل مستمر ومنتظم.
كما ستساهم هذه المنصة في تعزيز التكامل المؤسساتي بين مختلف المتدخلين في العملية التنفيذية، سواء تعلق الأمر بالنيابة العامة أو المحاكم أو مصالح الخزينة أو الإدارات المكلفة بالتنفيذ أو غيرها من الجهات ذات الصلة. فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه الأنظمة الإدارية الحديثة لم يعد مرتبطا فقط بإنتاج المعلومة، وإنما بقدرتها على ضمان انسيابها وتبادلها واستثمارها داخل منظومة متكاملة ومنسجمة.
ومن الناحية القانونية، يندرج هذا المشروع ضمن التوجه العام الرامي إلى تعزيز الأمن القانوني والأمن القضائي. فالأمن القانوني لا يتحقق فقط من خلال وضوح النصوص واستقرار التشريعات، وإنما يتطلب كذلك وجود آليات فعالة لتنفيذ الأحكام وضمان احترام المراكز القانونية المكتسبة. ولذلك فإن رقمنة مسطرة الإكراه البدني تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة في المنظومة القضائية، من خلال الرفع من مستوى الفعالية والسرعة والشفافية في معالجة الملفات التنفيذية.
كما أن هذا الورش ينسجم مع المبادئ الدستورية المرتبطة بالحكامة الجيدة وجودة المرفق العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمنصات الرقمية تتيح إمكانية تتبع مختلف العمليات والإجراءات وتوثيقها وأرشفتها بصورة دقيقة، الأمر الذي يعزز قابلية المراقبة والتدقيق والتقييم، ويحد من المخاطر المرتبطة بالضياع أو التأخير أو تضارب المعطيات.
وعلاوة على ذلك، فإن الرقمنة تساهم في ترشيد الموارد البشرية والمالية وتقليص الأعباء الإدارية المرتبطة بالتدبير الورقي التقليدي. فالمعالجة الرقمية للملفات تمكن من اختصار عدد كبير من العمليات الإجرائية، وتقليص آجال الإنجاز، وتحسين مردودية المصالح المختصة، وهو ما ينعكس إيجابا على جودة الأداء القضائي والإداري.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهينا بتوفير مجموعة من الشروط الأساسية، وفي مقدمتها تأمين البنية التحتية الرقمية وتعزيز الحماية القانونية والتقنية للمعطيات الشخصية والمعلومات القضائية المتداولة عبر المنصة. فكل توسع في استعمال التكنولوجيا داخل المجال القضائي يوازيه ارتفاع في متطلبات الأمن السيبراني وحماية البيانات وضمان سرية المعلومات.
كما يقتضي الأمر الاستثمار في تكوين الموارد البشرية وتأهيل الكفاءات التقنية والقانونية المكلفة بتدبير هذه المنظومة الجديدة، لأن التحول الرقمي لا يرتبط بالبرمجيات والتجهيزات فقط، وإنما يعتمد أساسا على العنصر البشري القادر على استيعاب التحولات التكنولوجية وتوظيفها بكفاءة وفعالية.
ومن زاوية أكثر اتساعا، فإن رقمنة مسطرة الإكراه البدني تندرج ضمن مسار وطني شامل يهدف إلى بناء عدالة رقمية متكاملة، تعتمد على الأنظمة الذكية وقواعد البيانات المترابطة والتدبير المرتكز على المعلومة. وهو توجه أصبح يشكل أحد المؤشرات الأساسية لقياس تطور المنظومات القضائية وقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
لقد أصبحت العدالة في العصر الرقمي مطالبة بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الشرعية القانونية والنجاعة العملية. فالمواطن لا ينتظر فقط صدور حكم منصف، وإنما ينتظر أيضا تنفيذه داخل آجال معقولة ووفق إجراءات واضحة وفعالة. كما أن المستثمر والفاعل الاقتصادي والمرتفق الإداري يبحثون جميعا عن منظومة قضائية قادرة على توفير اليقين القانوني والاستقرار المؤسساتي وسرعة البت والتنفيذ.
ومن ثم، فإن مصادقة مجلس الحكومة بتاريخ 4 يونيو 2026 على هذا المرسوم تشكل محطة جديدة في مسار تحديث العدالة المغربية، وخطوة إضافية نحو ترسيخ إدارة قضائية رقمية تعتمد على سرعة تداول المعلومة ودقة المعطيات وفعالية التنفيذ. فالمغرب لم يعد يراهن فقط على تطوير النصوص القانونية، وإنما أصبح يركز كذلك على تحديث آليات تنزيلها وتفعيلها، باعتبار أن جودة التشريع تظل مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات على تحويله إلى واقع عملي ملموس.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو رقمنة مسطرة الإكراه البدني أكثر من مجرد مشروع معلوماتي أو تدبير تنظيمي عابر؛ إنها اختيار مؤسساتي يعكس إرادة واضحة في بناء منظومة تنفيذ قضائي أكثر فعالية وانسجاما وشفافية، قادرة على مواكبة متطلبات الدولة الرقمية، وتعزيز الأمن القانوني، وترسيخ الثقة في العدالة، والارتقاء بأداء المرفق القضائي إلى مستويات أعلى من النجاعة والفعالية والجودة.

