بقلم: رشيد حبيل.
يقول ونستون تشرشل: «إن هدفنا أن نوفّر تعليمًا لا يُنتج طفلًا نمطيًا، أو إنسانًا لا يصلح إلا أن يكون ترسًا في آلة بيروقراطية، وإنما تعليمًا يُمكّن الطفل من أن ينمّي شخصيته، ويكتشف مكانه المسؤول في المدرسة أولًا، ثم في المجتمع مواطنًا كامل المسؤولية.»
هناك رجال يمرّون بالمؤسسات كما تعبر الغيوم في سماء الصيف؛ تلوح للحظة ثم تتلاشى، فلا يبقى منها سوى ذكرى عابرة. وهناك رجال يشبهون الغيث إذا نزل على الأرض المجدبة، ويشبهون الفلاح الذي يخرج مع تباشير الفجر، يحمل محراثه بيد، وأمله باليد الأخرى، فلا يساوم الأرض على عطائها، ولا يستعجل مواسمها، لأنه يعلم أن السنابل الممتلئة لا تنبت في ليلة، وأن الأشجار الوارفة لا تمد ظلالها إلا بعد أعوام من الصبر، وأن الثمار اليانعة ثمرة عرقٍ، ومثابرةٍ، ومصابرةٍ، وعشقٍ للمكان.
ومن بين هذه النماذج الإنسانية والتربوية، يبرز اسم الأستاذ الباين ترابي، المدير المؤسس لمجموعة مدارس اقرأ الخاصة، بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين اختاروا أن يجعلوا من التربية رسالة، ومن المؤسسة بيتًا، ومن الأستاذ شريكًا، ومن المتعلم أمانة، ومن الأخلاق ميزانًا لا يختل مع تغير الظروف أو تبدل المواقع. فقد راكم تجربة مهنية غنية، ومسيرة تربوية حافلة، ورصيدًا من الاحترام والتقدير لم تصنعه الألقاب، وإنما صنعته المواقف، ورسخته الأيام، وشهدت عليه القلوب قبل السجلات.
إن المؤسسات التعليمية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعلو أسوارها، ولا باتساع قاعاتها، ولا بحداثة تجهيزاتها، وإنما تُقاس برجالها ونسائها، وبما يتركونه من أثر في النفوس، وما يغرسونه من قيم في السلوك، وما يشيّدونه من جسور الثقة بين الإدارة والأسرة التربوية. فالبناء قد يرتفع في سنوات، أما بناء الإنسان فيحتاج إلى صبر الفلاح، وثبات الزيتونة، وحكمة الراعي الذي يعرف أن كل غرسة تحتاج إلى رعاية، وكل بذرة تحتاج إلى عناية، وكل ثمرة تحتاج إلى زمن حتى تنضج.
ومن هذا المنطلق، لم ينظر الأستاذ الباين ترابي إلى الإدارة باعتبارها سلطة تمارس، وإنما اعتبرها مسؤولية تؤدى، وأمانة تُصان، ورسالة تُترجم في تفاصيل الحياة اليومية. لذلك، ظل قريبًا من الأطر التربوية، والإدارية، والهيئة الخدماتية، يستمع، ويواكب، ويشجع، ويحفز، ويقدر، مؤمنًا بأن الكلمة الطيبة قد تفتح بابًا تعجز عن فتحه القرارات، وأن الاحترام المتبادل يصنع بيئة عمل أكثر رسوخًا من أي تعليمات مكتوبة.
ولم يكن هذا النهج وليد الصدفة، وإنما ثمرة قناعة راسخة بأن المدرسة الناجحة تشبه البستان؛ فالبستاني الحكيم لا يعتني بشجرة ويهمل أخرى، ولا يسقي غصنًا ويترك بقية الأغصان للعطش، وإنما يوزع جهده بعدل، ويمنح عنايته للجميع، حتى تتفتح الحديقة بألوانها المختلفة. وكذلك كانت فلسفة الأستاذ الباين ترابي، حيث آمن بأن كل فرد داخل المؤسسة يمثل قيمة مضافة، وأن نجاح المؤسسة يبدأ من شعور كل واحد بأنه محترم، ومقدر، وشريك في صناعة النجاح.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تتحول لحظة الاحتفاء به إلى لحظة وفاء صادقة، لأن الاعتراف بالجميل لا يولد من فراغ، وإنما ينبت كما تنبت السنابل في الحقول الخصبة، بعد مواسم طويلة من البذل، والعطاء، والإخلاص، والعمل الهادئ الذي لا يبحث عن التصفيق، وإنما يكتفي بأن يرى ثماره في وجوه الأجيال، وفي استقرار المؤسسة، وفي محبة العاملين بها.
…ولأن الزمن هو أعدل الشهود، فقد تكفّل وحده بأن يمنح لكل ذي حق حقه، وأن يكشف معادن الرجال بعيدًا عن ضجيج المناسبات. فهناك من يشبه الشموع؛ يضيء لحظة ثم ينطفئ، وهناك من يشبه المنارة الراسخة على شاطئ البحر، تهدي السفن في الليالي العاصفة، وتبقى ثابتة مهما تعاقبت الأمواج. ومن هذا الصنف الأخير يبرز الأستاذ الباين ترابي، الذي جعل من الحضور الهادئ أسلوبًا، ومن العمل المتواصل عادة، ومن الصدق في الأداء هوية لا تتغير بتغير المواقع.
لقد أدرك، منذ البدايات، أن التربية ليست سباقًا قصيرًا ينتهي عند خط الوصول، وإنما رحلة طويلة تشبه النهر؛ يبدأ قطرة صغيرة، ثم تتلاقى به الجداول، ويشتد جريانه، ويمنح الحياة لكل أرض يمر بها، دون أن يحتفظ بشيء لنفسه. وهكذا كان عطاؤه… يتسع كلما اتسعت المسؤولية، ويزداد رسوخًا كلما ازدادت التحديات، حتى أصبحت المؤسسة تحمل في تفاصيلها بصمات رجل آمن بأن النجاح الحقيقي هو ذلك الذي ينجو من امتحان الزمن.
ومن المؤكد أن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى رجال يشبهون البنّاء الماهر، الذي يضع الحجر الأول وهو يفكر في صلابة السقف بعد عشرات السنين، ولا يفكر في التصفيق الذي قد يناله عند نهاية البناء. فكم من مشاريع بدأت قوية ثم تهاوت لأنها افتقدت إلى الرؤية، وكم من مؤسسات ظلت شامخة لأنها وجدت من يحرسها بعين المسؤولية، ويغذيها بروح الانتماء، ويصونها بحكمة القرار. ومن هذا المنطلق، ظل الأستاذ الباين ترابي يعتبر أن النجاح لا يصنعه فرد، وإنما تنسجه أيادٍ كثيرة إذا وجدت من يجمعها على هدف واحد.
لقد كانت علاقته بالأطر التربوية والإدارية والهيئة الخدماتية أقرب إلى علاقة ربان السفينة ببحارتها؛ يدرك أن البحر قد يهدأ وقد يهيج، وأن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي الأشرعة، غير أن السفينة لا تبلغ الميناء إلا إذا بقي طاقمها متماسكًا، متعاونًا، مؤمنًا بوجهته. لذلك، كان حريصًا على إشاعة روح الثقة، وتقوية جسور التواصل، وإزالة كل ما قد يعكر صفو العلاقات الإنسانية داخل المؤسسة.
والحقيقة أن بعض الرجال يشبهون الينابيع؛ كلما اغترف الناس منها ازدادت صفاءً، وبعضهم يشبه النخلة؛ ترميها الحجارة فتسقط رطبًا، وبعضهم يشبه الكتاب النادر؛ كلما أعدت قراءته اكتشفت فيه معنى جديدًا. وهذه الصور، وإن بدت بلاغية، فإنها تجد ترجمتها الواقعية في شخصيات تترك أثرها بالمعاملة قبل الكلام، وبالقدوة قبل التوجيه، وبالإنصاف قبل المحاسبة.
ولم يكن الأستاذ الباين ترابي ممن يعتقدون أن الإدارة تقتصر على إصدار التعليمات، أو توقيع الوثائق، أو متابعة الملفات، وإنما كان يرى أن الإدارة تبدأ من معرفة الإنسان الذي يقف أمامك، وفهم ظروفه، وتقدير جهوده، واحترام كرامته. لأن الكلمة التي تُقال في وقتها قد تبعث الأمل في نفس أنهكها التعب، والابتسامة الصادقة قد تفتح بابًا من الطمأنينة لا تفتحه عشرات الخطب.
ومن الثابت أن الشجرة لا تقاس بطول جذعها، وإنما بامتداد ظلها، وأن البحر لا تقاس عظمته بعلو أمواجه، وإنما بعمق مياهه، وأن الإنسان لا تقاس مكانته بما يملك من صلاحيات، وإنما بما يملكه من أخلاق، وصدق، ونزاهة، واستقامة. وهذه المعاني تجسدت في مسيرة الأستاذ الباين ترابي، الذي ظل وفيًا للمبادئ نفسها، لا تغيره الظروف، ولا تبدله المناصب، ولا تستهويه الأضواء.
لقد آمن بأن التربية تشبه صناعة الفخار؛ تحتاج إلى صبر، ودقة، وهدوء، ولمسة خبيرة تعرف متى تضغط، ومتى ترفق، ومتى تترك الزمن يؤدي دوره. كما آمن بأن بناء الإنسان يشبه غرس بستان واسع؛ فكل غرسة تحتاج إلى عناية تختلف عن الأخرى، وكل زهرة لها موسمها، وكل ثمرة لها وقت نضجها، ومن يستعجل القطاف يخسر الثمار قبل أوانها.
وحين اختارت الأسرة التربوية والإدارية والهيئة الخدماتية أن تحتفي به، فإنها لم تكن تحتفي بمنصب، وإنما كانت تحتفي بقيم راسخة، وسيرة مهنية نزيهة، ومسار طويل من الالتزام والإخلاص. فالوفاء، في نهاية المطاف، لا يُشترى، ولا يُفرض، ولا يُصنع بالمجاملات، وإنما يولد تلقائيًا حين يشعر الناس أن هناك من أنصفهم، واحترمهم، وشاركهم تفاصيل النجاح والإخفاق على حد سواء.
وقد ينسى الناس خطابًا، أو قرارًا، أو مناسبة، لكنهم لا ينسون رجلًا صافحهم باحترام، وأنصت إليهم باهتمام، وشجعهم بإخلاص، ووقف إلى جانبهم في اللحظات التي كانت تحتاج إلى كلمة صادقة أكثر من حاجتها إلى أي شيء آخر. وتلك هي البصمة التي لا تصنعها الشهادات، ولا تمنحها الأوسمة، وإنما تصنعها الأخلاق حين تتحول إلى ممارسة يومية، ويمنحها التاريخ لأولئك الذين جعلوا من العمل رسالة، ومن المؤسسة بيتًا، ومن الإنسان القيمة الكبرى التي تستحق كل عناية وكل تقدير.
ولذلك، فإن الحديث عن الأستاذ الباين ترابي ليس حديثًا عن مدير مؤسسة فحسب، وإنما عن تجربة إنسانية وتربوية تؤكد أن النجاح يبقى ناقصًا إذا لم يسنده الخلق، وأن الإنجاز يفقد كثيرًا من قيمته إذا خلا من التواضع، وأن المؤسسات تبقى أكثر رسوخًا عندما يقودها رجال يؤمنون بأن احترام الإنسان هو أول درس في التربية، وآخر عنوان في مسيرة العطاء.

