الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

عندما تنتصر هيبة القانون… لماذا يتحول تنظيم النقل إلى “أزمة” ؟ حملة السلطات بأكادير تضرب النقل السري وتكشف حملة تضليل موازية

IMG-20260711-WA0027

 

متابعة: رضوان الصاوي

 

لم يكن تدخل السلطات الإقليمية والأمنية بأكادير لمحاربة النقل السري مجرد حملة موسمية أو عملية ظرفية، بل جاء في سياق تنفيذ صارم للقوانين والدوريات المنظمة لقطاع النقل، وتجسيدًا لسياسة تروم حماية أرواح المواطنين قبل أي اعتبار آخر، بعدما تحول النقل السري، في عدد من المناطق، إلى نشاط خارج الإطار القانوني يهدد السلامة الطرقية ويضرب أسس المنافسة المشروعة.

 

وفي هذا الإطار، وبتنسيق محكم بين مصالح ولاية جهة سوس ماسة، وعمالة أكادير إداوتنان، وولاية أمن أكادير، أصدر والي الجهة وعامل عمالة أكادير إداوتنان، سعيد أمزازي، إلى جانب والي أمن أكادير، تعليمات صارمة لتأمين وتنظيم خدمات النقل، مع التصدي لكافة مظاهر النقل السري، خاصة بمنطقتي أنزا وتدارت، اللتين عرفتا انتشارًا لافتًا لهذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.

 

الحملة لم تنطلق بشكل ارتجالي، كما يحاول البعض الترويج، بل سبقتها إجراءات تنظيمية لضمان استمرارية الخدمة، من خلال برمجة تعزيز أسطول النقل العمومي، والرفع من عدد حافلات النقل الحضري، إلى جانب دعم أسطول سيارات الأجرة من الصنفين الأول والثاني، حتى لا يبقى المواطن رهينة نشاط غير قانوني فرض نفسه لسنوات خارج كل الضوابط.

 

وأسفرت العمليات الميدانية عن حجز عدد كبير من السيارات المستعملة في النقل السري وإيداعها بالمحجز البلدي، بعد ضبطها في حالة مخالفة للقانون. كما كشفت المعاينات أن بعض هذه المركبات كانت تستعمل قنينات غاز البوتان كمصدر للطاقة، في مخالفة صريحة لشروط السلامة، بما يشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الركاب ومستعملي الطريق، وهو ما يجعل تدخل السلطات إجراءً وقائيًا لحماية الأرواح قبل أن يكون مجرد تطبيق للنصوص القانونية.

 

وقد خلفت هذه الحملة ارتياحًا واسعًا لدى العديد من الفاعلين المدنيين والمهنيين، الذين اعتبروا أن فرض احترام القانون وإنهاء حالة الفوضى يشكلان خطوة ضرورية لإعادة تنظيم قطاع النقل وضمان تكافؤ الفرص بين المهنيين الملتزمين بالقانون.

 

غير أن النتائج التي حققتها الحملة لم ترق لبعض المتضررين أو الموقوفين ومن يدور في فلكهم، لتبدأ، مباشرة بعد انطلاق العمليات، حملة موازية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر تدوينات وعناوين مثيرة من قبيل: “أزمة خانقة للنقل بأنزا وتدارت” و “معاناة المواطنين مع أزمة النقل” و “من المسؤول عن اختناق النقل؟” و “سكان أنزا وتدارت في ورطة حقيقية”، في محاولة لتصوير تطبيق القانون وكأنه سبب الأزمة، بدل الإعتراف بأن أصل المشكل هو سنوات من انتشار نشاط غير قانوني، و الذي باشرت السلطات الإقليمية و الأمنية حملة تصحيحه بكل جرأة.

 

ويرى متابعون أن عددا من الصور المتداولة لا تعكس بالضرورة الواقع الحالي لمنطقتي أنزا وتدارت، وأنها استعملت لإضفاء طابع درامي على تدوينات هدفت إلى ممارسة ضغط إعلامي وشعبي على السلطات، في وقت تؤكد فيه الإجراءات المتخذة أن البدائل القانونية تمت برمجتها قبل مباشرة الحملة.

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: متى أصبح فرض القانون وتنظيم القطاعات العمومية سببًا للأزمات؟ وهل المطلوب من السلطات أن تغض الطرف عن سيارات غير مرخصة، بعضها يشتغل بوسائل تشكل خطرًا على حياة المواطنين، فقط لتفادي ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي ؟

 

إن دولة المؤسسات لا يمكن أن تستقيم بمنطق الأمر الواقع، ولا يمكن أن يستمر قطاع حيوي كالنقل رهينة أنشطة غير قانونية، مهما كانت المبررات. وما قامت به السلطات الإقليمية والأمنية بأكادير يندرج ضمن مسؤوليتها الدستورية في حماية النظام العام وسلامة المواطنين، وهي مسؤولية تقتضي، أحيانًا، اتخاذ قرارات قد لا ترضي المخالفين، لكنها تصب في النهاية في خدمة المصلحة العامة وترسيخ سيادة القانون.