بقلم /سيداتي بيدا
ثمة لحظات لا تحتاج إلى استطلاعات رأي ولا إلى تقارير خبراء لفهم ما يجري. يكفي أن تنظر إلى المدرجات الفارغة لتدرك أن شيئاً ما انكسر.
هذا بالضبط ما حدث في افتتاح الدورة الحادية والعشرين لمهرجان موازين. فبدلاً من تلك الصور التي اعتاد المنظمون تسويقها عن الحشود الجارفة والاحتفالات الصاخبة، جاءت الحقيقة هذه المرة أكثر قسوة من أي بيان رسمي مقاعد شاغرة أكثر من الوجوه الحاضرة، وساحات فقدت ضجيجها، ومهرجان بدا وكأنه يحتفل بنفسه أمام نفسه.
المفارقة الساخرة أن بعض الكاميرات اجتهدت في البحث عن الجمهور كما يبحث عالم آثار عن بقايا حضارة منقرضة. لقطات مقربة هنا، وزوايا ضيقة هناك، في محاولة يائسة لإخفاء ما لا يمكن إخفاؤه. لكن الفراغ كان أذكى من الإخراج، وأكثر حضوراً من النجوم.
لسنوات طويلة اعتقد القائمون على المهرجان أن العلامة التجارية وحدها تكفي، وأن اسم “موازين” قادر على ملء الساحات مهما كانت البرمجة ومهما كانت الظروف.
غير أن الجمهور، ذلك الكائن الذي تجاهلته حسابات المنظمين طويلاً، قرر هذه المرة أن يرد بلغته الخاصة المقاطعة الصامتة.
نعم، لعب تزامن المهرجان مع مباريات المنتخب المغربي دوراً مؤثراً، لكن تحميل كرة القدم كامل المسؤولية يشبه محاولة إلقاء اللوم على الطقس بعد انهيار سقف منزل مهترئ. الأزمة أعمق من مباراة وأكبر من توقيت.
هناك جمهور سئم من أسعار تذاكر تحلق بعيداً عن قدرته الشرائية، وجمهور فقد شغفه ببرمجة فنية لم تعد تثير الدهشة كما في السابق، وجمهور آخر بات يتساءل بصوت مرتفع عن جدوى الإنفاق الضخم على حفلات موسمية بينما تتراكم ملفات اجتماعية أكثر إلحاحاً.
ثم جاءت الضربات المتتالية حفلات ألغيت، وأسماء خيبت التوقعات، وتجارب سابقة رسخت صورة فنانين يؤدون أمام الجماهير عبر تقنية “البلاي باك” وكأن الجمهور جاء ليستمع إلى تسجيلات لا إلى عروض حية.
الأخطر في كل ذلك أن بعض المسؤولين عن المهرجان ما زالوا يتعاملون مع الأزمة باعتبارها مشكلة صورة لا مشكلة مضمون. والحقيقة أن الكاميرا تستطيع إخفاء المقاعد الفارغة، لكنها لا تستطيع إخفاء فقدان الثقة.
لقد وجهت دورة 2026 صفعة رمزية إلى كل من اعتقد أن الجمهور مجرد رقم في تقارير التسويق. فالمهرجانات الكبرى لا تسقط دفعة واحدة، بل تبدأ أولاً بفقدان الإصغاء إلى الناس، ثم تستيقظ متأخرة على صوت الفراغ وهو يصفق وحيداً في المدرجات.
وعندما يصبح الغائب أكثر حضوراً من الحاضر، فذلك ليس خللاً في الجمهور بل إنذاراً لمهرجان نسي لماذا وُجد أصلاً.

