بقلم: حبيل رشيد
السيد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، يتولى مسؤولية تقع في صميم البنية المؤسساتية للعدالة الجنائية بالمغرب، ضمن مرحلة أصبحت فيها الحكامة القضائية معياراً لقياس قدرة المؤسسات على تنزيل الاختصاصات الدستورية والقانونية بكفاءة وتجرد ونجاعة. وقد عُيّن السيد هشام بلاوي في هذا المنصب من طرف الملك محمد السادس بتاريخ 12 ماي 2025، خلفاً للسيد الحسن الداكي، ليتحمل مسؤولية رئاسة مؤسسة يرتبط عملها بممارسة الدعوى العمومية، وتطبيق السياسة الجنائية، وحماية الحقوق والحريات، والسهر على احترام القانون. ومن ثم، فإن الحديث عن شخص السيد هشام بلاوي يقود، بصورة طبيعية، إلى الحديث عن المؤسسة التي يقودها، وعن الحكامة التي يفترض أن تجعل الاستقلال القضائي ممارسة مسؤولة وفعالة.
ويندرج هذا المعطى ضمن مسار مؤسساتي أوسع عرفته العدالة المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت النيابة العامة إلى وضع مؤسساتي مستقل عن السلطة التنفيذية في إطار المقتضيات الدستورية والقانونية المنظمة للسلطة القضائية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن الاستقلال، في المجال القضائي، لا يختزل في الاستقلال عن باقي السلط، وإنما يرتبط كذلك بالمسؤولية في استعمال الاختصاص، وبالتقيد بمبدأ الشرعية، وباحترام الضمانات الإجرائية، وبالمساواة أمام القانون. وبالتالي، فإن استقلال النيابة العامة يحتاج بالضرورة إلى حكامة قادرة على ضبط ممارسة الاختصاص، وتحديد المسؤوليات، وضمان الانسجام في تنفيذ السياسة الجنائية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحكامة القضائية باعتبارها مفهوماً يتجاوز التدبير الإداري الضيق إلى بناء منظومة متكاملة قوامها الاستقلال، والتجرد، والنجاعة، والشفافية، والمساءلة، وجودة القرار، وحسن تدبير الموارد، وتنسيق الاختصاصات. فالمؤسسة القضائية لا تقاس فقط بانتظام هياكلها، وإنما بقدرتها على إنتاج عدالة ذات جودة، وبمدى احترامها للآجال المعقولة، وبقدرتها على حماية الحقوق، وبمدى وضوح إجراءاتها وقراراتها. لذلك، فإن الحكامة تصبح في المجال القضائي أداة لترجمة المبادئ الدستورية إلى ممارسة مؤسساتية محسوسة.
وتتصل هذه الحكامة بصورة مباشرة بالمسار المهني للسيد هشام بلاوي، الذي راكم تجربة داخل منظومة العدالة المغربية جعلته قريباً من مختلف مستويات التدبير القضائي. فقد حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الحقوق سنة 2005، ثم نال الدكتوراه في الحقوق، تخصص القانون الخاص، سنة 2013 من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس – أكدال بالرباط. وإلى جانب التكوين الأكاديمي، عرف مساره المهني تدرجاً في عدد من المسؤوليات القضائية والإدارية، الأمر الذي أتاح له الجمع بين المعرفة القانونية والممارسة العملية والتدبير المؤسساتي.
ويكتسب هذا التراكم أهمية خاصة عند النظر إلى توليه رئاسة النيابة العامة، لأن إدارة مؤسسة قضائية بحجم النيابة العامة تحتاج إلى أكثر من المعرفة القانونية المجردة؛ إنها تحتاج إلى فهم دقيق لتدبير الملفات، وتوزيع المسؤوليات، وتنسيق العمل، وتدبير الموارد البشرية، واستشراف الإشكالات، ومواكبة التحولات التي تعرفها الجريمة والمجتمع. ولهذا، فإن تجربة السيد هشام بلاوي في رئاسة ديوان رئيس النيابة العامة خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2018، ثم توليه الكتابة العامة برئاسة النيابة العامة ابتداءً من سنة 2018، تشكل جزءاً من رصيد مهني يمكن أن يسند تصوراً للحكامة يقوم على التدرج والتراكم والخبرة المؤسساتية.
وإذا كانت هذه التجربة قد منحته معرفة دقيقة بالبنية الداخلية لرئاسة النيابة العامة، فإن عضويته في الهيئة المشتركة للتنسيق بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل ورئاسة النيابة العامة أضافت إلى مساره بعداً آخر يتعلق بالتنسيق بين المؤسسات. وهذه النقطة بالذات ذات أهمية في فلسفة الحكامة القضائية، لأن العدالة منظومة متعددة الفاعلين، لكل مؤسسة فيها اختصاصاتها ومجالات تدخلها، غير أن فعالية المنظومة تقتضي انسجاماً في العمل وتكاملاً في الأدوار واحتراماً صارماً للحدود القانونية لكل اختصاص. ومن ثم، فإن التنسيق المؤسساتي يصبح آلية للنجاعة، والاستقلال يصبح أكثر قوة عندما يمارس داخل هندسة قانونية واضحة.
ومن التنسيق المؤسساتي نصل إلى حكامة السياسة الجنائية، وهي من أكثر المجالات ارتباطاً بعمل رئاسة النيابة العامة. فالمجتمع ينتظر من العدالة الجنائية مواجهة الجريمة، وتعزيز الردع، وحماية الأمن القانوني، والتصدي للجريمة المنظمة والاقتصادية والرقمية، وفي المقابل تظل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وقرينة البراءة وحماية الحريات عناصر ثابتة في دولة القانون. وبالتالي، فإن السياسة الجنائية الرشيدة تحتاج إلى معادلة دقيقة تجمع بين الفعالية والشرعية، وبين الحزم والضمانات، وبين حماية المجتمع وصيانة حقوق الأفراد.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع تطور أنماط الإجرام؛ فالجريمة الاقتصادية والمالية أصبحت أكثر تعقيداً، والجريمة الإلكترونية تجاوزت الحدود الجغرافية التقليدية، والجريمة المنظمة تعتمد وسائل تقنية ومالية متطورة، كما أصبحت الجرائم العابرة للحدود تفرض تعاوناً قضائياً وأمنياً دولياً متزايداً. لذلك، فإن الحكامة الجنائية الحديثة تحتاج إلى التخصص والتكوين المستمر وتبادل المعلومات والخبرة والاستباق، لأن المؤسسة التي تنتظر الجريمة حتى تتشكل بالكامل قد تجد نفسها دائماً أمام واقع أسرع من أدواتها.
ومن حكامة السياسة الجنائية تنتقل المسؤولية إلى حكامة الموارد البشرية، باعتبار أن جودة القضاء ترتبط في جزء كبير منها بكفاءة الأشخاص الذين يحملون أعباءه اليومية. فالقاضي وعضو النيابة العامة وموظف كتابة الضبط وضابط الشرطة القضائية والمحامي يشكلون حلقات متداخلة في مسار العدالة، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يؤثر في النتيجة النهائية. ولذلك، فإن التكوين المستمر، والتخصص، والتأهيل المهني، وتحسين ظروف الاشتغال، وتطوير آليات التقييم الموضوعي، تمثل جميعها عناصر عملية في بناء حكامة قضائية مستدامة.
وبالموازاة مع ذلك، تفرض التحولات التكنولوجية الحكامة الرقمية باعتبارها أحد رهانات العدالة الحديثة. فالرقمنة تستطيع أن تسهم في تحسين تتبع الملفات، وتسريع تداول المعلومات، وتقليص الزمن الإجرائي، وتعزيز قابلية التتبع، وتيسير الولوج إلى الخدمات القضائية. غير أن التحول الرقمي يحتاج إلى بنية قانونية وتقنية متينة، وحماية للمعطيات الشخصية، وأمن سيبراني، وموارد بشرية مؤهلة. لذلك، فالرقمنة الناجعة تقوم على التكامل بين التكنولوجيا والقانون والكفاءة البشرية، حتى تتحول التقنية إلى وسيلة لتعزيز العدالة بدل أن تصبح مجرد واجهة حديثة لتدبير قديم.
وبالتوازي مع الحكامة الرقمية، تبرز حكامة التواصل القضائي باعتبارها جزءاً من بناء الثقة في المؤسسة. فالرأي العام أصبح يتلقى الأخبار القضائية بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، وأصبحت المعلومة غير الدقيقة قادرة على الانتشار قبل وصول التوضيح الرسمي. ومن ثم، تحتاج المؤسسات القضائية إلى تواصل مهني ودقيق يحترم سرية الأبحاث والتحقيقات، ويحافظ على قرينة البراءة، ويصون المعطيات الشخصية، ويقدم المعلومة في حدود القانون. فالتواصل القضائي المسؤول لا يتدخل في عمل القضاء، وإنما يشرح للمجتمع طبيعة العمل القضائي ويمنع الفراغ المعلوماتي من التحول إلى مجال للتأويلات.
ومن التواصل نصل إلى حكامة الثقة، وهي ربما أكثر مستويات الحكامة القضائية حساسية، لأن علاقة المواطن بالقضاء لا تُبنى بالنصوص وحدها. المتقاضي يريد أن يفهم المسطرة، وأن يعرف حقوقه، وأن يحصل على معاملة مهنية، وأن يجد أمامه مؤسسة تشتغل وفق قواعد واضحة. لذلك، فإن العدالة الجيدة تحتاج إلى جودة القرار وإلى جودة الاستقبال والتواصل والتنفيذ، كما تحتاج إلى احترام الآجال المعقولة. فالزمن القضائي بدوره عنصر من عناصر العدالة، لأن طول الانتظار قد يحول الحق إلى عبء ويجعل المسطرة في حد ذاتها جزءاً من المعاناة.
ولهذا السبب، تصبح النجاعة القضائية معياراً أساسياً للحكامة؛ فالنجاعة تعني تحسين تدبير الملفات، وترشيد الموارد، وتقليص أسباب التأخير، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقمنة، وتحسين تنفيذ المقررات، والارتقاء بجودة القرارات. وهي لا تعني السرعة المجردة، لأن القرار القضائي يحتاج إلى التمحيص والتعليل واحترام حقوق الأطراف، وإنما تعني تحقيق التوازن بين الزمن القضائي وجودة العدالة. فالعدالة السريعة دون ضمانات قد تتحول إلى استعجال، والعدالة البطيئة دون مبرر قد تتحول إلى إنهاك… والحكامة هي القدرة على ضبط هذا التوازن.
وفي هذا الإطار، تبرز حماية الحقوق والحريات باعتبارها مقياساً حقيقياً لأي تصور للحكامة القضائية. فالقوة المؤسساتية للنيابة العامة لا تقاس فقط بقدرتها على تحريك الدعوى العمومية، وإنما كذلك بمدى احترامها للشرعية الإجرائية، وحماية الضحايا والمتضررين، وضمان حقوق الدفاع، واحترام قرينة البراءة، ومراعاة الضوابط القانونية المتعلقة بالحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمتابعة. وبهذا المعنى، تصبح حماية الحقوق جزءاً من النجاعة، وليست عائقاً أمامها.
السيد هشام بلاوي، بما راكمه من تجربة قضائية وأكاديمية وتدبيرية، يوجد أمام مسؤولية مؤسساتية تتصل بتطوير هذه المستويات المتعددة للحكامة؛ فالمطلوب من رئاسة النيابة العامة يتجاوز التدبير اليومي إلى ترسيخ رؤية مؤسساتية قادرة على الاستشراف، وتطوير آليات العمل، وتوحيد الممارسات، وتعزيز التكوين، وتحسين التنسيق، ومواكبة التحولات الإجرامية والتكنولوجية، مع المحافظة على استقلال النيابة العامة واحترام الاختصاصات التي رسمها الدستور والقانون.
ومن ثم، فإن الحديث عن حكامة السيد هشام بلاوي لا ينبغي أن ينصرف إلى مفهوم شخصي للحكامة، وإنما إلى الحكامة باعتبارها وظيفة مؤسساتية تتطلب وضوحاً في الاختصاص، ودقة في القرار، وانسجاماً في التنفيذ، ونجاعة في التدبير، ومسؤولية في استعمال السلطة. فالمسؤول القضائي مهما كانت خبرته لا يعمل خارج المؤسسة، والمؤسسة مهما كانت قوتها لا تعمل خارج القانون، والقانون مهما كانت دقته يحتاج إلى ممارسة مهنية حتى تتحول قواعده إلى عدالة محسوسة.
وفي المحصلة، فإن رئاسة السيد هشام بلاوي للنيابة العامة تضع الحكامة القضائية أمام اختبار متعدد الأبعاد: استقلال القرار، ونجاعة السياسة الجنائية، وحسن تدبير الموارد البشرية، وتطوير الرقمنة، وتعزيز التنسيق المؤسساتي، وترسيخ التواصل القضائي، وحماية الحقوق والحريات، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين. وهذه المستويات لا تعمل منفصلة، وإنما يتفاعل بعضها مع بعض؛ فضعف التنسيق يؤثر في النجاعة، وضعف التواصل يؤثر في الثقة، وضعف التكوين يؤثر في جودة القرار، وضعف الرقمنة يؤثر في تدبير الزمن القضائي، ولذلك فإن الحكامة الحقيقية تقوم على رؤية شمولية تجعل كل عنصر مسانداً للآخر.
إن السيد هشام بلاوي يقود مؤسسة مركزية في منظومة العدالة، ومن ثم فإن قيمة الحكامة في هذه المرحلة ستتحدد بمدى القدرة على تحويل الاستقلال المؤسساتي إلى ممارسة مسؤولة، وتحويل الاختصاص القانوني إلى أداء ناجع، وتحويل التراكم المهني إلى رؤية قابلة للتنفيذ، وتحويل حماية الحقوق والحريات إلى ثقافة يومية في الممارسة القضائية. فالحكامة القضائية لا تُقاس بعدد القرارات التي تنتجها المؤسسة، وإنما بقدرتها على جعل كل قرار أكثر شرعية، وكل مسطرة أكثر نجاعة، وكل اختصاص أكثر مسؤولية، وكل مواطن أكثر ثقة في سيادة القانون.

