بقلم/ سيداتي بيدا
لم تحتج مدينة العيون إلى عاصفة استثنائية ولا إلى منخفض جوي نادر، حتى ينكشف المستور. دقائق معدودة من الأمطار كانت كافية لتعري واقع بنية تحتية يُفترض أنها صُممت لتحمل الظروف المناخية، فإذا بها تغرق عند أول اختبار حقيقي.
القنطرة الجديدة، التي رُوّج لها إعلامياً باعتبارها إنجازاً تنموياً ونقلة نوعية في البنية الطرقية، تحولت في لحظات إلى رمز للاختلال بدل أن تكون عنواناً للتحديث. جسر كلف ملايين الدراهم من المال العام، سُوِّق باعتباره نموذجاً للجودة والنجاعة، فإذا به يستسلم أمام زخات مطر عابرة، ويشل حركة السير، ويضع علامات استفهام ثقيلة حول معايير الإنجاز والمراقبة.
ليست المشكلة في المطر، فالأمطار نعمة، مهما قلت أو كثرت. الإشكال الحقيقي يكمن في هشاشة التخطيط، وفي غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة. كيف يمكن لمنشأة حديثة أن تغرق بهذه السهولة؟ أين الدراسات التقنية؟ أين لجان التتبع؟ وأين تقارير المراقبة التي يفترض أن تسبق التسليم النهائي لأي مشروع ممول من المال العام؟
التنمية ليست لافتات تُرفع، ولا أشرطة تُقص في حفلات التدشين، ولا بيانات تُنشر للاستهلاك الإعلامي. التنمية الحقيقية تُقاس بصلابة المشاريع عند أول امتحان، وبقدرتها على خدمة المواطن لا على إحراجه. حين تتحول القنطرة إلى بركة، ويتحول الطريق إلى مجرى للمياه، فإن الحديث عن “إنجاز تاريخي” يصبح مجرد صدى أجوف.
ما حدث ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر مقلق. لأن الأمر لا يتعلق ببنية إسمنتية فقط، بل بثقة المواطنين. وكلما تكررت مشاهد الغرق والانهيار مع أول قطرات مطر، تآكلت هذه الثقة، واتسعت الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
إن المرحلة تقتضي وضوحاً وجرأة: فتح تحقيق تقني مستقل، نشر نتائجه للرأي العام، وتحديد المسؤوليات بدقة، بعيداً عن منطق تمييع المحاسبة. فالأموال التي صُرفت هي أموال المواطنين، ومن حقهم معرفة كيف وأين صُرفت، ولماذا لم تصمد المنشأة أمام اختبار بسيط.
دقائق المطر لم تكن كارثة طبيعية، بل كانت امتحاناً أخلاقياً وإدارياً. والامتحان، حتى الآن، كشف أن الخلل أعمق من مجرد تجمع مياه؛ إنه خلل في منظومة تحتاج إلى مراجعة شاملة، إذا كانت التنمية المنشودة فعلاً هدفاً لا شعاراً.

