الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

ميزانية 2026: رؤية للإصلاح الاقتصادي وترسيخ العدالة الاجتماعية

IMG-20251114-WA0049

بسم الله الرحمن الرحيم:
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
السيد الرئيس
السيدات والسادة الوزراء
السيدات والسادة النواب المحترمون
أتشرف بدوري بأن أتناول الكلمة باسم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 في شقه الاقتصادي والمالي.
وهو في الحقيقة مشروع يكتسي أهمية كبرى باعتباره الأخير في الولاية الحكومية الحالية وكذا نظرا للإجراءات المهمة التي يحملها تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطابي عيد العرش المجيد وافتتاح السنة التشريعية، والهادفة لخلق تحول حقيقي ومندمج، لتسريع مسار التنمية متعددة الأبعاد وتطوير جاذبية الاقتصاد الوطني من خلال مواصلة تنزيل مختلف الإصلاحات الهيكلية والقطاعية الكبرى وكذا خلق مزيد من التكامل بين النمو الاقتصادي والصلابة المالية وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف الترابي.
فبالرغم من السياق الاقتصادي العالمي المتسم بعدم اليقين والذي أدى إلى استمرار تباطؤ نسبة النمو العالمي والتي من المتوقع ان تحقق برسم سنتي 2025و2026 3.3%و 3.1% تواليا، وخاصة بمنطقة أوروبا الشريك الاقتصادي الرئيسي لبلادنا والذي من المتوقع ان تسجل هذه السنة نسبة نمو لا تتعدى 1.2% و 1.1% سنة 2026، نتيجة تزايد بؤر التوتر الجيوسياسية في مختلف مناطق العالم وتراجع التجارة العالمية بفعل الإجراءات الحمائية المتبادلة بين الاقتصاديات الكبرى عبر سياسة فرض الرسوم الجمركية والرسوم المضادة إضافة إلى استقرار مستويات التضخم العالمية منذ ما بعدها جائحة كورونا، وبالتالي أسعار المواد الاولية الأساسية، واستمرار التأثيرات الكبيرة للجفاف الهيكلي ببلادنا منذ 7سنوات متتالية، إلا أن الاقتصاد الوطني والحمد لله قد أظهر صلابة كبرى حيث سيحقق خلال السنة الجارية نسبة نمو مهمة تقدر ب4.8% مدعوما بقوة الطلب الداخلي وحيوية النسيج الإنتاجي الوطني.
وهي نسبة لا يمكن قراءتها بتجرد بعيدا عن سياقها وخاصة التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد الوطني، نحو نمو أكثر استقرارا وأقل تأثرا بالعوامل المناخية، بفضل المسار الإصلاحي الذي تبنته المالية العمومية التي أظهرت صمود كبيرا رغم كل الظروف، عبر اعتماد تحول تدريجي لمحركات نمو الاقتصاد الوطني ما أدى الى التقليل تدريجيا من تأثيرات الناتج الداخلي الفلاحي الخام على نسب النمو رغم تأثيره الفعلي والكبير في مقابل تعزيز مكانة القطاعات الإنتاجية والواعدة.
ولذلك فإننا نسجل بإيجابية كبيرة الانتعاش الملحوظ الذي تعرفه الأنشطة غير الفلاحية والتي تحولت بحمد الله إلى أحد الدعامات الهيكلية للتطور الاقتصادي الوطني والتي تسجل للسنة الثالثة تواليا دينامية نمو متواصلة ومنتظمة وبمعدلات مهمة انتقلت من 3.5 سنة 2022 إلى 3.9 سنة 2023 ثم إلى 4.8 سنة 2024 ثم 4.8 سنة 2025 بحول الله تعالى.
وهو تحول يأتي نتيجة انتعاشة مهمة تعرفها عدد من القطاعات الإنتاجية الكلاسيكية أو الواعدة، خاصة القطاعات ذات القيمة المضافة العالية كقطاع السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والسياحية، حيث ارتفعت مداخيل الأسفار إلى 87.6 مليار درهم عندما تم شهر غشت 2025 مقابل 76.6 مليار درهم خلال نفس الفترة من سنة 2024، كما تستمر القطاعات الإنتاجية الصناعية في تحقيق أرقام مهمة ومتطورة، معززة باستمرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة ببلادنا والتي عرفت ارتفاعا ملحوظا حيث بلغت خلال نفس الفترة من السنة الجارية أي الثمانية أشهر الأولى من السنة، حوالي 39.3 مليار درهم بزيادة تقدر ب 43.4% مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، كما بلغت الأصول الاحتياطية الرسمية الى حدود 3أكتوبر ما يعادل 421.4 مليار درهم، بزيادة تقدر ب 14.8% خلال نفس الفترة من السنة الماضية.
وهي مؤشرات إيجابية جاءت نتيجة التحكم في التضخم في حدود 1.1% عندما متم شهر غشت 2025 والتحكم التدريجي في عجز الميزانية الذي تراجع من 5.5% من الناتج الداخلي الخام سنة 2021 إلى 3.8% سنة 2024 قبل أن يستقر في حدود 3.5%سنة 2025 فضلا عن تراجع المديونية إلى 67.4 من الناتج الداخلي الخام السنة 2025 بتراجع يقدر ب0.3% نقطة مقارنة مع السنة الماضية.
السيد الرئيس المحترم
إن مشروع قانون المالية قيد الدرس اليوم، والذي ينبني على أساس فرضيات معقولة ومنطقية تأخذ بعين الاعتبار الظرفية الاقتصادية العالمية وخاصة لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين للمملكة وانعكاساتها الموضوعية على الدينامية والنسيج الاقتصادي الوطني من خلال فرضيات تحدد في معدل تضخم في حدود 2% ومحصول زراعي في حدود 70 مليون قنطار ومتوسط سعر غاز البطان في 500حدود دولار للطن مع توقع ارتفاع الطلب الخارجي خارج الفوسفاط ومشتقاته 2.3 % ، سيمكن بكل تأكيد من مواصلة تنزيل مختلف الأوراش والاستراتيجيات المبرمجة خاصة على مستوى تعزيز المكتسبات الاقتصادية من أجل ترسيخ مكانة بلادنا ضمن الدول الصاعدة، خاصة عبر الرفع من الاستثمار العمومي الذي انتقلت من 245 مليار درهم سنة 2022 الى 380 مليار درهم، وهو ما سيمكن بحول الله تعالى من التنفيذ الأمثل لمختلف مشاريع البنية التحتية للنقل واللوجيستيك الرامية و إلى توسعة المطارات وتعزيز حظيرة الطيران الوطنية وتنفيذ مختلف شبك مختلف الشبكات ي والمشاريع السككية ولا سيما تمديد خط القطار فائق السرعة إلى مدينة مراكش وتقوية شبكة الطرق السيارة إضافة إلى العمل على إنهاء أشغال ميناء الناظور غرب المتوسط وتسريع إنجاز مشروع ميناء الدخل الأطلسي فضلا عن تخصيص اعتمادات تقدر ب16.4 مليار درهم خلال هذه السنة من أجل تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب في المناطق التي تعاني من العجز المائي من خلال مواصلة تنزيل برنامج بناء السدود (موصلة بناء16 سدا كبيرا و بناء سدين كبيرين جديدين) إضافة إذا تسريع إنجاز المشاريع الكبرى لنقل المياه بين الأحواض خصوصا من حوض واد لاو و اللوكوس إلى حوض أم الربيع مرورا بأحواض اسبو وأبي رقراق ومواصلة تفعيل خارطة الطريق لمشاريع تحلية مياه البحر بهدف تأمين تعبئة أكثر من 1.7 مليار متر مكعب سنويا.
إن قراءتنا الايجابية لمؤشرات مشروع قانون المالية لسنة 2026، لا تنطلق من موقع سياسي فقط، بل تتأسس على معطيات دالة وايجابية مهمة لما يحققه الاقتصاد الوطني سواء على مستوى التحكم الجيد في التوازنات الماكرواقتصادية أو من خلال ما تحقق فعليا في الثمانية أشهر الأولى من السنة الجارية واعتمادا على فرضيات معقولة ومنطقية ومن برامج ومشاريع مهيكلة أكدت الأيام نجاعة اختياراتها خاصة في مجال تأهيل وتطوير البنية التحتية في كل المجالات، إلا أننا نعتبر في الفريق الاستقلالي أن المجال والتحديات المطروحة على بلادنا لم تعد تسمح بمزيد من التردد في محاربة الفساد بكل أشكاله وعلى كل المستويات والذي يعتبر اليوم العدو رقم واحد للاقتصاد الوطني، الذي لا زال يئن للأسف الشديد تحت وطأة تغول بعد اللوبيات الاقتصادية تحت مسميات مختلفة، ما يستوجب من الحكومة تدخلات حازمة للقطع أولا مع بعض برامج الدعم التي لا يستفيد منها الا فراقشية بعض القطاعات وتعزيز أدوار مجلس المنافسة ومختلف أجهزة الرقابة وتطوير الحكامة للرفع من نجاعة أداء المشاريع العمومية سواء تلك التي تنفذ من الميزانية العامة أو المؤسسات العمومية التي لا زلنا في انتظار اصلاحات كبرى تشمل بعضها.
فالنجاعة والاثر الفعلي على المواطنين والمواطنات يبقى في الاخير هو الفيصل لإعطاء كل المؤشرات والارقام مدلولها التنموي والسياسي.