الحسيمة –
أصدر المكتب المحلي للجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض بالحسيمة، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل (UMT)، بلاغًا ناريًا أمس الخميس 23 أكتوبر 2025، تعليقًا على زيارة عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية لجماعة الحسيمة، والتي تمت بناءً على “شكايات مجهولة وكيدية”، حسب وصف البيان.
البيان، الذي تزامن مع بدء التحقيقات، أثار جدلاً واسعًا في الأوساط المحلية بالمدينة، حيث انتقد بشدة ما وصفه بـ “توظيف الشكايات المجهولة كأداة للضغط والتشويش”، و”تسريب المعطيات والأسرار المهنية”، معتبرًا أن كل ذلك يهدف إلى “تشويه صورة المرفق الجماعي” وخدمة “أجندات شخصية ضيقة”.
توقيت “حساس” وموقف “غير محايد”
إن توقيت إصدار هذا البيان، وهوية الجهة التي أصدرته، تطرحان أكثر من علامة استفهام. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام المحلي، المتعطش للشفافية، موقفا داعما لأي عملية افتحاص أو تحقيق تهدف إلى تنقية الأجواء الإدارية وتحسين الحكامة، جاء البيان ليركز جلّه على “التنديد بالشكايات المجهولة” و”صون كرامة الموظفين” و”رفض الزج بالإدارة في صراعات لوبيات مصالح”.
هذا التوجه يوحي بأن البلاغ لم يكن دفاعًا عن الحق النقابي أو المشروع للموظف، بقدر ما كان محاولة مبكرة، وغير موفقة، لتأطير الرواية والتحقيق الجاري، وربما تبرير أي “ضبابية” قد يكشف عنها التحقيق. فبدل الترحيب بأي جهد للشرطة القضائية لترسيخ مبدأ المحاسبة، اعتبر البيان الزيارة “إجراءً عادياً”، لكنه استنكر أي “تأويل أو استغلال لها” – وهو ما قد يُقرأ على أنه تشكيك مُسبق في دوافع التحقيق ذاته.
الشفافية في مواجهة “الشكاية المجهولة”
لا أحد يختلف حول ضرورة احترام “قرينة البراءة” و”صون كرامة الموظفين”، كما جاء في البيان. لكن في المقابل، يدرك كل مراقب للشأن العام أن الشكايات، سواء كانت مجهولة أو مُوقّعة، هي غالبًا الشرارة الأولى التي تكشف عن الخلل وتطلق عجلة الرقابة والتدقيق.
وفي مدينة الحسيمة، التي ما زالت تنتظر جهودًا إضافية لتحسين أدائها الإداري والخدماتي، لا يمكن اعتبار أي مسعى للتحقيق، حتى لو انطلق من “إشاعة” أو “شكاية مجهولة”، أمرًا يستدعي التنديد النقابي بهذا الزخم. فالنقابة، بوصفها شريكًا اجتماعيًا، كان يُنتظر منها أن تكون الضامن الأول للنزاهة الإدارية وداعمًا للمؤسسات الرقابية، بدل الانخراط في “تأطير” التحقيق بهذه الطريقة التي قد تفسر على أنها محاولة للضغط على سير العملية.
إن مطالبة البيان بفتح تحقيق في “تسريب المعطيات والأسرار المهنية” – وهي النقطة التي تخدم التحقيق نفسه في الكشف عن التلاعبات المحتملة – تبدو متناقضة مع حرصه على استبعاد الشكايات التي أطلقت شرارة التحقيق.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل كان هذا البيان محاولة لحماية الموظف الجماعي من التشهير والكيد، وهو حق مشروع، أم أنه دفاع مبكر عن حالة ضبابية يخشى المكتب المحلي أن تكشف عن تورط أطراف داخلية؟ الرأي العام في الحسيمة يفضل أن يسمع لغة الشفافية والمحاسبة، لا لغة التبرير والانتقاد الموجه للشكايات، أياً كان مصدرها.

