الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

الهجرة إلى سبتة المحتلة.. حين تتحول أمواج البحر إلى مرآة لأزمة الثقة في المستقبل

Screenshot_20260730-203208

 

سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية

 

لم يكن المشهد الذي عاشته مدينة سبتة المحتلة خلال الساعات الماضية مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، بل كان صورة مكثفة لاختلالات اجتماعية واقتصادية تتجاوز حدود البحر الأبيض المتوسط. عشرات الشباب، ومعهم قاصرون وعائلات، اختاروا مواجهة الأمواج والتيارات البحرية، غير آبهين بالمخاطر التي قد تنتهي بالغرق أو الاعتقال أو الترحيل، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل يتكرر دون أن يجد جواباً حاسماً: لماذا يصر شباب اليوم على الهجرة مهما كان الثمن؟

المقاربة السطحية قد تختزل الأمر في “مغامرة” أو “بحث عن الثراء السريع”، غير أن الواقع أكثر تعقيداً. فالهجرة السرية ليست قراراً يُتخذ في لحظة، وإنما هي حصيلة تراكمات من الإحباط، وشعور متزايد لدى فئة من الشباب بأن الفرص تضيق، وأن تحقيق الذات داخل الوطن أصبح أكثر صعوبة. وعندما يفقد الإنسان ثقته في الغد، تصبح المخاطرة بالحياة أقل قسوة من البقاء في واقع يعتقد أنه لا يمنحه مستقبلاً.

وفي خضم هذه التطورات، تتواصل الجهود الأمنية المغربية لإحباط محاولات الهجرة السرية وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وهي جهود تحظى باعتراف دولي بالنظر إلى حجم الضغوط التي تعرفها المملكة باعتبارها بلد عبور ووجهة في الوقت نفسه. غير أن نجاح المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى الارتماء في أحضان البحر.

وعلى الضفة الأخرى، تبدو أوروبا، وإسبانيا على وجه الخصوص، أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تشدد الرقابة على الحدود وتتبنى قوانين أكثر صرامة لمواجهة الهجرة غير النظامية، ومن جهة أخرى تواجه تحدياً ديموغرافياً يتمثل في شيخوخة السكان وتراجع اليد العاملة، ما يجعلها في حاجة متزايدة إلى استقطاب مهاجرين عبر قنوات قانونية ومنظمة. لذلك فإن الرهان الأوروبي لم يعد ينصب على منع الهجرة بشكل مطلق، بل على التحكم في مساراتها واختيار من يدخل وفق احتياجات اقتصادية محددة.

أما في المغرب، فإن تكرار مشاهد السباحة الجماعية نحو سبتة المحتلة ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشراً اجتماعياً لا مجرد حدث أمني. فكل شاب يخاطر بحياته يحمل قصة مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها هو البحث عن الأمل. ومن هنا، فإن مواجهة الظاهرة تقتضي الاستثمار في التعليم والتكوين، وتحفيز المبادرة الخاصة، وتوسيع فرص الشغل، وإعادة بناء جسور الثقة بين الشباب ومستقبلهم داخل وطنهم.

لقد أثبتت التجارب أن الأسلاك الشائكة، والحواجز الأمنية، والدوريات البحرية، تستطيع الحد من تدفقات الهجرة، لكنها لا تستطيع القضاء على الدوافع التي تولدها. فحين يغيب الأفق، يتحول البحر في نظر كثيرين إلى الطريق الوحيد، رغم أنه كان ولا يزال مقبرة مفتوحة لآلاف الضحايا.

إن ما شهدته سبتة المحتلة ليس خبراً عابراً يطوى بانتهاء اليوم، بل رسالة قوية تستوجب نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً، بعيداً عن المزايدات والانفعالات. فالهجرة السرية ليست أزمة حدود فقط، بل هي قضية تنمية وعدالة اجتماعية وثقة في المستقبل. وكل تأخر في معالجة جذورها سيجعل أمواج البحر تحمل، في كل مرة، دفعات جديدة من الشباب الذين يعتقدون أن الضفة الأخرى قد تمنحهم ما عجزوا عن العثور عليه في الضفة التي ولدوا فيها.