الأحداث الوطنية|أقلام حرة

ندوة صحفية وهمية أم مناورة سياسية يائسة ؟

IMG-20260621-WA0004

 

متابعة: رضوان الصاوي

**فبركة على المقاس.. آخر أوراق التشويش في مواجهة الصعود القوي ل عمر أمين

في السياسة، لا تُقاس قوة الفاعلين بحجم التصفيق الذي يحصدونه، بل بحجم الحملات التي تُشن ضدهم. ومن يتابع ما يجري حول عمر أمين منذ الإعلان عن دخوله معركة الإستحقاقات التشريعية القادمة، باعتباره المرشح البارز لحزب التجمع الوطني للأحرار، يلاحظ أن وتيرة الاستهداف تجاوزت حدود النقاش السياسي الطبيعي لتتحول إلى سلسلة من المحاولات الرامية إلى التشويش على صورته ومساره ومشاريعه.

اللافت في المشهد أن المعني بالأمر اختار، إلى حدود الساعة، سياسة الصمت وعدم الانجرار إلى معارك جانبية، مكتفياً بالمراقبة والتتبع من بعيد. غير أن هذا الصمت، الذي كان يفترض أن يفرغ الحملات من مضمونها، يبدو أنه دفع بعض خصومه إلى الانتقال نحو أساليب أكثر جرأة، كان آخرها ترويج منشور مفبرك ينسب إليه وإلى رئيس المجلس الجماعي لأيت ملول، هشام القيسوني، الدعوة إلى ندوة صحفية للرد على ما تم تداوله بشأن ملف تقسيم عقاري أثار الكثير من الجدل، وهو في عمقه زوبعة في فنجان.

المثير أن المنشور انهار بعد دقائق قليلة من تداوله، بعدما اتضح أنه مزور ولا يمت للحقيقة بصلة ولا علاقة للمعنيين به. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا تم اختيار هذا التوقيت بالذات ؟ ولماذا جرى اللجوء إلى اختراع ندوة صحفية لم يُعلن عنها أصلاً ؟

القراءة السياسية لهذا السلوك توحي بأن الهدف لم يكن إخبار الرأي العام بحدث غير موجود، بل صناعة انطباع نفسي لدى المتابعين بأن عمر أمين وهشام القيسوني أصبحا في موقع الدفاع والارتباك، وكأنهما يسارعان إلى عقد ندوة صحفية تحت ضغط الحملة الموجهة ضدهما. إنها محاولة لإنتاج صورة ذهنية توحي بالخضوع للضغط أكثر مما تهدف إلى نقل خبر.

ويبدو أن أصحاب هذه المناورة يدركون أن الملف الذي يحاولون استثماره يرتبط بمشروع مر عبر المساطر القانونية والمؤسساتية المعمول بها، وخضع لمختلف مراحل الدراسة والتأشير داخل المؤسسات المختصة، بما فيها المجلس الجهوي للاستثمار والسلطات المعنية. لذلك يصبح الرهان ليس على الوقائع بقدر ما هو على التأثير الإعلامي والنفسي وتوجيه الانطباعات، مستعينين بقوة و مفعول الإشاعة.

كما أن توظيف حسابات إلكترونية وصفحات معروفة بالاصطفاف السياسي، إلى جانب بعض الأصوات التي لا تخفي خصومتها مع المعنيين بالأمر، يعزز فرضية وجود محاولة لتغذية مناخ من التشويش المستمر استعداداً للاستحقاقات السياسية المقبلة، أكثر من كونه نقاشاً موضوعياً حول تدبير الشأن العام.

غير أن التاريخ السياسي والإعلامي مليء بأمثلة مشابهة انتهت بنتائج معاكسة لما أراده أصحابها. فكما يقول المثل: “النار لا تزيد الذهب إلا بريقاً”؛ إذ إن الحملات المتكررة قد تتحول، عندما تفتقد إلى الأدلة والمصداقية، إلى عامل يمنح المستهدفين مزيداً من الحضور والاهتمام بدل إضعافهم.

وينطبق الأمر أيضاً على الحكمة القائلة: “الأشجار القوية تهزها الرياح فلا تقتلعها”. فكلما اشتدت العواصف حول شخصية سياسية، ازداد اختبار قدرتها على الصمود، بينما ينصرف الرأي العام في النهاية إلى البحث عن الحقائق لا عن الضجيج. الضجيج الذي يشارك فيه ذباب إليكتروني محسوب على بعض المنافسين بمشاركة مسيلمة الكداب بتراست.

من هنا فإن اللجوء إلى الأخبار المفبركة والمنشورات المزورة، فهو مؤشر على انتقال بعض الأطراف من ساحة التنافس السياسي إلى ساحة الحرب النفسية، حيث يصبح الهدف صناعة حدث وهمي عندما يتعذر مواجهة الواقع. وهي مرحلة غالباً ما تعكس أزمة لدى مطلقيها أكثر مما تكشف عن ضعف لدى المستهدفين، حيث يتضح بالواضح أن دخول عمر أمين المنافسة قد بعثرت أوراق كثيرين.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: إذا كانت الحملة تمتلك من المعطيات ما يكفي لإقناع الرأي العام، فلماذا تحتاج إلى منشورات مزورة وندوات صحفية وهمية؟ ولماذا يُلجأ إلى صناعة الوقائع بدل مناقشة الوقائع القائمة؟ تلك أسئلة قد تكون أبلغ من كل البيانات والردود، لأنها تكشف أن بعض المعارك تُخاض بالحقائق، بينما تُخاض أخرى بالانطباعات… وعندما يسقط التزوير في دقائق، يسقط معه جزء كبير من الرواية التي حاول أصحابه تسويقها.