الأحداث الوطنية|أقلام حرة

البكالوريا في المغرب… هل أصبحت شهادة نجاح أم بوابة إلى خيبة أمل جديدة؟

Screenshot_20260619-140948

 

سعيد الطهاري :الأحداث الوطنية

في كل سنة، يعيش آلاف التلاميذ المغاربة وأسرهم لحظات استثنائية مع الإعلان عن نتائج امتحانات البكالوريا. فرحة النجاح، خاصة بالنسبة للحاصلين على معدلات مرتفعة ومشرفة، تتحول إلى مناسبة للاحتفاء بسنوات من الجد والاجتهاد والسهر والتضحية. غير أن هذه الفرحة لا تلبث أن تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث تبدأ مباشرة رحلة البحث عن مقعد داخل مدرسة عليا أو معهد متخصص، لتتحول البكالوريا من محطة نهاية إلى بداية مسار مليء بالشكوك والتحديات.
ورغم أن المنطق يفترض أن يكون التفوق الدراسي مفتاحاً لتحقيق الطموحات الأكاديمية، إلا أن الواقع يكشف أن آلاف المتفوقين يجدون أنفسهم أمام عراقيل متعددة، تبدأ بالانتقاء الأولي ولا تنتهي عند مباريات الولوج الشفوية والكتابية. وبين من يحالفه الحظ في ولوج المؤسسة التي يحلم بها، ومن يضطر إلى قبول بدائل لم تكن ضمن خياراته، ومن لا يجد له مكاناً في أي مؤسسة من المؤسسات التي تقدم إليها، تتجسد مفارقة مؤلمة: نجاح دراسي لا يضمن بالضرورة نجاحاً في رسم المسار المستقبلي.
أزمة أعمق من مجرد مباريات الولوج
قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكل يكمن في محدودية المقاعد أو كثرة المترشحين، غير أن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فالنظام الحالي يجعل لحظة ما بعد البكالوريا نقطة حاسمة ومصيرية، بينما يفترض أن تكون مجرد حلقة ضمن مسار توجيهي متكامل يبدأ منذ سنوات الدراسة الثانوية.
فالتلميذ المغربي يقضي سنوات طويلة في التحصيل الدراسي دون أن يتلقى في كثير من الأحيان توجيهاً حقيقياً يساعده على اكتشاف قدراته ومؤهلاته وميولاته المهنية. وعندما يصل إلى مرحلة البكالوريا، يجد نفسه مطالباً باتخاذ قرارات مصيرية في ظرف زمني قصير، وسط ضغط الأسرة والمجتمع وهاجس البحث عن التخصصات التي تضمن فرص الشغل.
والنتيجة أن العديد من الشباب يختارون مسارات لا تنسجم مع مؤهلاتهم الحقيقية، أو يوجهون كل آمالهم نحو عدد محدود من المدارس والمعاهد، لتكون الصدمة كبيرة عند عدم القبول.
ماذا تفعل الدول التي نجحت في بناء منظومات توجيه فعالة؟
في العديد من الدول المتقدمة، لا يُنظر إلى التوجيه المدرسي باعتباره إجراءً إدارياً يتم في نهاية المسار الدراسي، بل باعتباره عملية مستمرة ومتكاملة تبدأ منذ السنوات الأولى من التعليم الثانوي.
في ألمانيا مثلاً، يتم توجيه التلاميذ نحو مسارات مختلفة بناءً على قدراتهم واهتماماتهم، مع ربط واضح بين التكوين الأكاديمي والتكوين المهني ومتطلبات الاقتصاد الوطني. كما يحظى التلميذ بمواكبة مستمرة تساعده على بناء مشروعه المهني قبل سنوات من ولوجه الجامعة.
أما في فنلندا، التي تعد من بين أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، فإن التوجيه النفسي والمهني يشكل جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، حيث يستفيد التلاميذ من جلسات منتظمة مع مستشارين متخصصين يساعدونهم على استكشاف ميولاتهم واختيار المسارات المناسبة لهم.
وفي سويسرا، يتميز نظام التعليم بمرونة كبيرة تسمح بالانتقال بين المسارات الأكاديمية والمهنية، كما يتم إشراك المقاولات والمؤسسات الاقتصادية في عملية التكوين، ما يضمن توافقاً أكبر بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق الشغل.
أي نموذج يحتاجه المغرب؟
لا يحتاج المغرب بالضرورة إلى استنساخ التجارب الأجنبية، بل إلى الاستفادة من عناصر قوتها وتكييفها مع خصوصياته الوطنية.
فأول إصلاح مطلوب يتمثل في جعل التوجيه المدرسي والمهني ورشاً استراتيجياً يبدأ منذ السلك الثانوي التأهيلي، عبر اعتماد اختبارات للكفاءات والميولات، ومواكبة فردية للتلاميذ تساعدهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية.
كما ينبغي مراجعة المناهج الدراسية بشكل يسمح للتلميذ بالتركيز على المواد المرتبطة بالتخصص الذي يطمح إليه مستقبلاً، بدل الاستمرار في دراسة مواد قد لا تكون لها علاقة مباشرة بمشروعه الأكاديمي أو المهني.
ومن الضروري أيضاً تعزيز التنسيق بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي والفاعلين الاقتصاديين من أجل بناء خريطة وطنية للتخصصات المطلوبة مستقبلاً، حتى لا تستمر الهوة بين التكوين وسوق الشغل.
ومن بين الحلول العملية كذلك توسيع الطاقة الاستيعابية للمدارس والمعاهد العمومية، وإحداث مؤسسات جديدة في التخصصات التي تعرف إقبالاً متزايداً، إضافة إلى تطوير منصات رقمية للتوجيه تمكن التلاميذ من الاطلاع على الفرص المتاحة والمسارات الممكنة بناءً على نتائجهم ومؤهلاتهم.
من منطق الانتقاء إلى منطق الاستثمار في الكفاءات
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تنظيم مباريات أكثر صعوبة أو انتقاءات أكثر تشدداً، بل في كيفية استثمار الطاقات والكفاءات التي تزخر بها المدرسة المغربية.
فحين يحصل تلميذ على معدل مرتفع بعد سنوات من الاجتهاد ثم يجد نفسه خارج المؤسسات التي كان يحلم بها، فإن الأمر لا يتعلق بخيبة أمل فردية فقط، بل بخسارة محتملة لكفاءة كان يمكن أن تساهم في تنمية الوطن.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق تدبير الأعداد والمقاعد إلى منطق بناء المسارات والفرص. فنجاح أي منظومة تعليمية لا يقاس بعدد الحاصلين على البكالوريا فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل هذا النجاح إلى مشاريع حياة حقيقية، وإلى كفاءات قادرة على الابتكار والإنتاج والمساهمة في بناء مغرب المستقبل.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل سنظل نحتفل كل سنة بنتائج البكالوريا ثم نترك آلاف المتفوقين يواجهون وحدهم متاهة ما بعد النجاح، أم أن الوقت قد حان لإصلاح جذري يجعل من التوجيه جسراً نحو المستقبل بدل أن يكون مجرد محطة عابرة في نهاية المسار الدراسي؟