بقلم :رشيد حبيب
في زمن تتسارع فيه الخطى وتضيق فيه مساحات الوفاء، يظل بعض الرجال قادرين على صناعة أثر يتجاوز حدود الأسماء والألقاب، لأنهم يتركون بصماتهم في القلوب قبل أن يتركوها في السجلات والوثائق. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الحاج إبراهيم حادا، ذلك الرجل الذي اختار أن يكون سفيراً للقيم النبيلة قبل أن يكون سفيراً للسياحة المغربية والمراكشية، وأن يكون عنواناً للكرم والأصالة وحسن المعشر، قبل أن يكون مجرد ابن من أبناء المدينة الحمراء.
وبمناسبة عودته الميمونة من الديار المقدسة بعد أداء مناسك الحج، لا يسع المرء إلا أن يتقدم إليه بأصدق عبارات التهنئة والتبريك، سائلاً الله تعالى أن يجعل حجه مبروراً وسعيه مشكوراً وذنبه مغفوراً، وأن يعود عليه وعلى أسرته الكريمة وعلى محبيه بالخير واليمن والبركات.
لقد عاد الحاج إبراهيم حادا من الرحلة التي يتمناها كل مسلم، رحلة الطهر والتجرد والسكينة، حاملاً معه نفحات الحرمين الشريفين وعبق مكة المكرمة وأنوار المدينة المنورة، تلك الرحلة التي لا يعود منها الإنسان كما ذهب، لأنها مدرسة روحية كبرى تعيد ترتيب الروح وتمنح القلب فسحة جديدة من الصفاء والتأمل والإيمان.
وإذا كان الحج مناسبة للعودة إلى الذات، فإن الحاج إبراهيم حادا ظل طوال سنواته نموذجاً للرجل الذي يحمل في داخله قيماً راسخة لا تتغير بتغير الظروف والأحوال. فهو من أولئك الأشخاص الذين حين تلتقيهم تشعر أنك أمام شخصية تجمع بين الوقار والبساطة، وبين الهيبة والتواضع، وبين النجاح الإنساني والقدرة على الحفاظ على نقاء العلاقات الإنسانية.
ولا شك أن الحديث عن الحاج إبراهيم حادا يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن مدينة مراكش، لأن الرجل يحمل الكثير من ملامح هذه المدينة العريقة. ففي شخصيته تجد دفء المراكشيين، وفي حديثه تلمس أصالة الجنوب المغربي، وفي سلوكه تكتشف تلك الروح المغربية المتجذرة التي تجعل من الضيف فرداً من العائلة قبل أن يكون مجرد زائر عابر.
لقد استطاع عبر سنوات طويلة أن يقدم صورة مشرقة عن المغرب وعن مراكش تحديداً، وأن يكون جسراً للتواصل بين الثقافات والشعوب، وواجهة إنسانية راقية تعكس ما تختزنه المملكة المغربية من قيم الانفتاح والتسامح وحسن الاستقبال. لذلك لم يكن مستغرباً أن يحظى بمحبة واحترام كل من عرفه أو تعامل معه، لأن الاحترام الحقيقي لا يُطلب، وإنما يُكتسب عبر المواقف والسلوك والمعاملة الحسنة.
إن الحاج إبراهيم حادا يمثل نموذجاً للرجل الذي يدرك أن السياحة ليست مجرد فنادق ومطاعم ووسائل نقل، وإنما هي قبل كل شيء رسالة إنسانية وصورة حضارية وأخلاق يومية. ولذلك ظل حريصاً على أن يكون خير ممثل لمدينته ووطنه، مقدماً للزوار صورة المغرب الحقيقي؛ المغرب الذي يفتح أبوابه قبل أن يفتح حدوده، ويستقبل ضيوفه بالمحبة قبل البروتوكولات، ويمنحهم من دفء الإنسان المغربي ما يجعلهم يعودون إليه مرة بعد أخرى.
وفي كل مرة يُذكر فيها اسم مراكش، تحضر تلك المدينة التي استطاعت عبر قرون طويلة أن تجمع بين التاريخ والحضارة والجمال والتنوع. غير أن المدن مهما امتلكت من معالم وآثار وأسوار وحدائق، تبقى في حاجة إلى رجال يحملون رسالتها ويدافعون عن صورتها ويجسدون قيمها. وهنا تبرز قيمة الحاج إبراهيم حادا باعتباره واحداً من أولئك الرجال الذين جعلوا من محبتهم لمدينتهم مشروعاً يومياً وسلوكاً دائماً.
فهو رجل يعرفه الناس بابتسامته الصادقة، وكلمته الطيبة، وأخلاقه الرفيعة، وحضوره الهادئ، وتعامله الراقي مع الجميع دون تمييز أو تكلف. وهي صفات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة أصبحت من أثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان في زمن طغت فيه الحسابات الضيقة والمصالح العابرة.
ومن المؤكد أن أعظم ما يميز الرجال الأفاضل هو قدرتهم على ترك أثر جميل في نفوس الآخرين. والحاج إبراهيم حادا واحد من هؤلاء الذين يتركون خلفهم ذكريات طيبة وانطباعات حسنة أينما حلوا وارتحلوا. فهو لا يكتفي بأداء دوره المهني أو الاجتماعي، وإنما يضيف إليه بعداً إنسانياً يجعل كل علاقة معه قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل.
لقد عاد اليوم من الحج محاطاً بدعوات المحبين، ومحملاً بتهاني الأصدقاء والمعارف، وهو استحقاق طبيعي لرجل بنى مكانته على الأخلاق قبل المصالح، وعلى الوفاء قبل الحسابات، وعلى خدمة الناس قبل البحث عن الأضواء.
وإننا إذ نتوجه إليه بهذه الكلمات، فإننا لا نحتفي فقط بعودته من الأراضي المقدسة، وإنما نحتفي أيضاً بمسيرة رجل ظل وفياً لقيمه ولمدينته ولوطنه، وساهم بطريقته الخاصة في تقديم صورة مشرقة عن المغرب والمغاربة. فالأوطان لا يصنع مجدها المسؤولون والمؤسسات وحدهم، وإنما يصنعه كذلك أولئك الرجال الذين يتحولون في حياتهم اليومية إلى سفراء للقيم النبيلة والأخلاق الرفيعة.
هنيئاً للحاج إبراهيم حادا بعودته سالماً غانماً من رحلة الحج المباركة، وهنيئاً لمراكش بابنها البار، وهنيئاً للمغرب بأحد رجاله الذين يحملون في قلوبهم حب الوطن وفي سلوكهم معاني الكرم والجود والمروءة. نسأل الله تعالى أن يتقبل منه صالح الأعمال، وأن يبارك في عمره وصحته وأهله، وأن يجعل أيامه القادمة عامرة بالخير والطمأنينة والنجاح، وأن يديم عليه نعمة المحبة التي لا ينالها إلا أصحاب القلوب الصافية والنفوس الكبيرة.
فبعض الرجال يمرون في الحياة مروراً عادياً، بينما يختار آخرون أن يتركوا وراءهم أثراً جميلاً يسبق أسماءهم أينما ذُكرت… والحاج إبراهيم حادا واحد من أولئك الرجال الذين تحولت سيرتهم إلى بطاقة تعريف للأصالة المغربية، وللكرم المراكشي، وللإنسان الذي يحمل الخير أينما حل وارتحل.

