سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية
كلما اقترب موعد الانتخابات، عاد إلى الواجهة مصطلح أصبح متداولاً بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية: “تجارة التزكيات”. ورغم أن هذا الوصف يبقى في إطار الانتقادات التي يرددها عدد من الفاعلين والمتتبعين للشأن الحزبي، فإنه يعكس حجم الاحتقان الذي يرافق عملية اختيار المرشحين داخل بعض الأحزاب، خاصة عندما تنتهي سنوات من النضال والعمل الميداني إلى قرار مفاجئ يمنح التزكية لاسم آخر لم يكن حاضراً في المشهد الحزبي إلا في آخر لحظة.
ما يحدث اليوم داخل عدد من التنظيمات السياسية ليس مجرد خلافات عابرة حول أسماء المرشحين، بل مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الديمقراطية الداخلية ذاته. فبينما يفترض أن تكون التزكية تتويجاً لمسار من الالتزام والكفاءة والقرب من المواطنين، يرى العديد من المناضلين أنها أصبحت في بعض الحالات رهينة لموازين القوة والنفوذ والقدرة على استقطاب الأصوات، بغض النظر عن التاريخ النضالي أو الشرعية التنظيمية.
ولعل أبرز ما يكشف حجم هذه الأزمة هو موجة الاستقالات التي بدأت تتسع مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة. مناضلون قضوا سنوات في الدفاع عن أحزابهم وجدوا أنفسهم خارج الحسابات الانتخابية، فاختار بعضهم الانسحاب بصمت، بينما فضّل آخرون إعلان غضبهم والالتحاق بأحزاب منافسة بحثاً عن فرصة جديدة للترشح.
المشهد ليس جديداً على الحياة السياسية المغربية. فمع كل محطة انتخابية تقريباً، تشهد الساحة انتقال أسماء بارزة من حزب إلى آخر في ظرف زمني قياسي، وكأن الانتماء السياسي أصبح قابلاً للتغيير بمجرد تغير فرص الظفر بالتزكية. وهي ظاهرة ساهمت في ترسيخ صورة سلبية لدى الرأي العام، الذي بات ينظر إلى بعض الأحزاب باعتبارها فضاءات انتخابية أكثر منها مؤسسات للتأطير السياسي وصناعة النخب.
والأخطر أن هذه الممارسات، سواء كانت حقيقية أو مجرد انطباعات متداولة، تؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ”نزيف المناضلين”. فحين يشعر المناضل بأن سنوات من العمل والتضحية يمكن أن تُختزل في قرار تنظيمي لا يراعي مجهوده أو حضوره الميداني، يصبح الإحباط أمراً طبيعياً، وتصبح الاستقالة أو الهجرة السياسية خياراً وارداً.
لقد ساهم هذا الواقع في إنتاج مفارقة لافتة؛ فبينما تسعى الأحزاب إلى استقطاب وجوه جديدة قادرة على تحقيق نتائج انتخابية أفضل، فإنها تخاطر في المقابل بخسارة قواعدها التقليدية التي شكلت لسنوات عمودها الفقري. والنتيجة هي تنظيمات قد تربح مرشحاً انتخابياً لكنها تخسر عشرات المناضلين الذين كانوا يمثلون رصيدها البشري والسياسي الحقيقي.
كما أن استمرار الجدل حول معايير التزكية ينعكس سلباً على صورة العمل السياسي برمته. فالمواطن الذي يتابع أخبار الاستقالات والانشقاقات والصراعات الداخلية قد يتساءل: إذا كانت الأحزاب عاجزة عن تدبير شؤونها الداخلية بشكل شفاف، فكيف ستدبر الشأن العام بعد الانتخابات؟
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بالفوز في صناديق الاقتراع، بل باستعادة الثقة المفقودة داخل البيت الحزبي أولاً. فالأحزاب التي لا تنصت إلى مناضليها، ولا توفر مساطر واضحة وعادلة لاختيار مرشحيها، قد تجد نفسها أمام أزمة أكبر من خسارة مقعد برلماني أو دائرة انتخابية؛ إنها أزمة فقدان المصداقية والشرعية المعنوية.
ومع اقتراب موعد الحسم النهائي في التزكيات، يبدو أن الساحة السياسية مقبلة على موسم ساخن، عنوانه العريض ليس فقط التنافس بين الأحزاب، بل أيضاً الصراع داخلها. وبين من يعتبر التزكية استحقاقاً نضالياً ومن يراها مجرد ورقة انتخابية، يبقى السؤال معلقاً: هل تستطيع الأحزاب المغربية تجاوز منطق الولاءات والمصالح نحو ترسيخ ديمقراطية داخلية حقيقية، أم أن “نزيف المناضلين” سيظل الثمن الذي يُدفع عند كل استحقاق انتخابي؟

