سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية
منذ أكثر من عقد، يعيش المغرب على وقع تعاقب حكومات رفعت شعارات كبرى؛ من “محاربة الفساد والاستبداد” التي حملها حزب العدالة والتنمية خلال قيادته للحكومة بين 2011 و2021، إلى “الدولة الاجتماعية” التي ترفعها الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش منذ سنة 2021. وبين المرحلتين، يجد المواطن المغربي نفسه أمام سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا تغير فعلا في حياته اليومية؟
حين وصل عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة في أعقاب حراك 20 فبراير، كان المغرب يعيش ضغطا اجتماعيا وسياسيا كبيرا، فيما كانت الدولة تبحث عن امتصاص الاحتقان والحفاظ على الاستقرار. آنذاك، ظهر حزب العدالة والتنمية كقوة سياسية قادمة بخطاب قريب من الشارع، يتحدث عن الفساد والريع وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما منح الحزب تعاطفا شعبيا واسعا.
غير أن سنوات التدبير كشفت بسرعة أن الانتقال من المعارضة إلى السلطة ليس بالأمر السهل. فالحكومة التي رفعت شعار الدفاع عن القدرة الشرائية، وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات وُصفت بأنها من أكثر القرارات الاجتماعية قسوة خلال السنوات الأخيرة؛ أبرزها تحرير أسعار المحروقات، وإصلاح صندوق التقاعد، وتجميد التوظيف المباشر، واعتماد التعاقد في قطاع التعليم.
ورغم أن الحكومة السابقة دافعت عن هذه القرارات باعتبارها “إصلاحات ضرورية لإنقاذ المالية العمومية”، فإن المواطن البسيط لم يكن يرى سوى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الاحتقان الاجتماعي. وفي المقابل، نجحت حكومة العدالة والتنمية في الحفاظ على نوع من التوازن المالي، كما استفادت من صورة “النظافة السياسية” مقارنة بأحزاب تقليدية كانت تُتهم بالتحكم في المشهد السياسي والاقتصادي.
لكن النقطة التي يعتبرها كثيرون ضربة قاسية لصورة الحزب، كانت توقيع حكومة سعد الدين العثماني على قانون تقنين القنب الهندي واستئناف العلاقات مع إسرائيل، وهي قرارات اعتبر جزء من القاعدة الشعبية للحزب أنها تتناقض مع خطابه السياسي والإيديولوجي، ما ساهم في فقدانه جزءا كبيرا من رصيده الانتخابي، لينتهي الأمر بسقوط مدوٍّ في انتخابات 2021.
في الجهة المقابلة، جاءت الحكومة الحالية في سياق مختلف تماما؛ جائحة عالمية، أزمة اقتصادية خانقة، حرب أوكرانيا، تضخم عالمي، وجفاف متواصل. وهي ظروف جعلت سقف الانتظارات مرتفعا جدا، خصوصا بعدما قدمت الأغلبية الحالية نفسها باعتبارها حكومة “الكفاءات والإنجازات”.
ورغم إطلاق الحكومة الحالية لورش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر وبرامج دعم السكن، فإن الشارع المغربي ما يزال يقيس نجاح الحكومات بمعيار واحد: الأسعار. وهنا تحديدا تواجه الحكومة الحالية أكبر انتقاداتها، إذ يرى كثير من المغاربة أن القدرة الشرائية تدهورت بشكل غير مسبوق، وأن الطبقة المتوسطة أصبحت الأكثر تضررا من موجة الغلاء.
كما أن الحكومة الحالية تواجه اتهامات متكررة بضعف التواصل السياسي مقارنة بحكومة بنكيران، التي كانت تعتمد خطابا شعبيا مباشرا، جعلها قريبة من نبض الشارع رغم صعوبة قراراتها. أما اليوم، فيعتبر جزء من الرأي العام أن لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية لم تعد كافية لإقناع المواطن الذي يواجه يوميا ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات والخدمات.
اقتصاديا، تسجل الحكومة الحالية نقاط قوة واضحة في ملف الاستثمار، حيث تمكن المغرب خلال السنوات الأخيرة من تعزيز موقعه الصناعي قاريا ودوليا، خصوصا في قطاع السيارات والطاقات المتجددة، مع استقطاب مشاريع كبرى تراهن عليها الدولة لتوفير فرص الشغل وتحريك الاقتصاد. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لم تنعكس بعد بالشكل المطلوب على الواقع الاجتماعي، وهو ما يفسر استمرار حالة التذمر الشعبي.
وفي المقابل، يرى متابعون أن مقارنة الحكومتين تحتاج إلى قدر من الإنصاف، لأن حكومة العدالة والتنمية اشتغلت في مرحلة سياسية مختلفة، بينما تواجه الحكومة الحالية أزمات دولية واقتصادية غير مسبوقة. كما أن عددا من الأوراش الكبرى التي تنفذ اليوم انطلقت فعليا خلال الحكومات السابقة، ما يجعل تقييم أي تجربة حكومية معزولا عن استمرارية الدولة أمرا غير دقيق.
وربما المفارقة الأبرز أن الحكومتين، رغم اختلاف خطابهما السياسي، انتهتا إلى مواجهة الانتقاد نفسه: ضعف أثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطن. فالمغربي الذي استمع لسنوات إلى شعارات “الإصلاح” و”الدولة الاجتماعية”، لا يزال ينتظر تحسنا ملموسا في التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية.
وفي النهاية، قد تختلف الحكومات والأحزاب والخطابات، لكن الرهان الحقيقي الذي سيحسم نظرة المغاربة لأي تجربة سياسية يبقى بسيطا وواضحا: هل استطاعت فعلا تحسين حياة المواطن، أم أن الشعارات كانت أكبر من النتائج؟

