الأحداث الوطنية|أقلام حرة

الصحراء المغربية… حين تتكامل خرائط التاريخ مع بوصلة المستقبل.

IMG-20260209-WA0037

 

بقلم: حبيل رشيد.

يقول زبيغنيو بريجنسكي، أحد كبار منظّري الجغرافيا السياسية المعاصرة: “القضايا الترابية الكبرى لا تُحسم عبر اندفاع اللحظة، وإنما عبر تراكمات دقيقة تصوغها الإرادة الوطنية وتغذيها شرعية التاريخ وتدعمها واقعية السياسة… فالدولة التي تُحسن قراءة موقعها داخل معادلة القوة الدولية تستطيع أن تحول النزاعات المزمنة إلى فضاءات لإعادة بناء النفوذ وترسيخ الاستقرار طويل المدى.”

تشهد قضية الصحراء المغربية تحولا عميقا يعكس انتقالها إلى مرحلة تتكاثف فيها مؤشرات الحسم السياسي والدبلوماسي… حيث تتجه المعادلة الدولية نحو تثبيت المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الخيار الأكثر تماسكا مع مقتضيات الاستقرار الإقليمي ومتطلبات الشرعية الدولية. ويبرز القرار الأممي الأخير كمفصل تاريخي يعزز هذا المسار ويمنح المقترح المغربي زخما تفاوضيا متصاعدا يعكس نضجا استراتيجيا تراكم عبر سنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ والمتواصل.

إن التحولات التي يعرفها الملف تكشف بوضوح أن النقاش الدولي بدأ يبتعد عن المقاربات النظرية التي ظلت تدور داخل دوائر مغلقة… متجها نحو البحث في تفاصيل التنزيل العملي للحكم الذاتي باعتباره صيغة متكاملة تجمع بين صيانة السيادة الوطنية وتوسيع آفاق التدبير المحلي. هذا التحول يعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن المقترح المغربي لم يعد مجرد تصور سياسي، وإنما مشروع مؤسساتي قابل للتفعيل وقادر على إنتاج الاستقرار والتنمية داخل المنطقة.

وقد نجحت الرباط في بناء منظومة متكاملة من عناصر القوة التي عززت موقعها داخل معادلة التفاوض… حيث يشكل الدعم الدولي المتنامي أحد أبرز مرتكزات هذه المنظومة. فالمواقف الدولية الداعمة لمغربية الصحراء تعكس تحولا نوعيا في طبيعة التفاعل مع الملف، كما تؤكد اقتناع قوى دولية مؤثرة بأن المبادرة المغربية تمثل الإطار الأكثر قدرة على إنهاء النزاع وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي.

ويبرز الانخراط الأمريكي في دعم مسار التسوية باعتباره رافعة استراتيجية تضيف للموقف المغربي قوة تأثير إضافية… حيث يعكس هذا الدعم توجها واضحا داخل دوائر القرار الدولي نحو تسريع إنهاء النزاعات التي تعرقل استقرار منطقة شمال إفريقيا والساحل. كما يرسخ هذا الانخراط قناعة متزايدة بأن المغرب يمثل شريكا استراتيجيا يمتلك مقومات الاستقرار السياسي والأمني داخل محيط إقليمي معقد.

ومن جهة أخرى، يشكل الحضور الميداني المتكامل للمغرب داخل أقاليمه الجنوبية ركيزة أساسية تعزز مشروعية الطرح المغربي… فالإدارة الترابية والتنظيم المؤسساتي والمشاريع التنموية الكبرى ترسم صورة واقعية لنموذج اندماجي يربط التنمية بالاستقرار. وقد تحولت الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي واعد يستقطب الاستثمارات ويعزز البنيات التحتية ويكرس الاندماج الاجتماعي، وهو ما يمنح المبادرة المغربية بعدا تطبيقيا يرسخ مصداقيتها داخل المنتظم الدولي.

كما أن المشاركة السياسية الواسعة لساكنة الصحراء في تدبير شؤونهم المحلية تعزز الطرح المغربي وتؤكد قدرته على تحقيق حكامة ترابية متقدمة… حيث تشكل المؤسسات المنتخبة فضاء ديمقراطيا يعكس انخراط المواطنين في صناعة القرار المحلي ويجسد دينامية سياسية متجددة تعكس روح الإصلاح المؤسساتي الذي يعرفه المغرب.

وتكتسب الورقة الأمنية أهمية خاصة داخل السياق الجيوسياسي الراهن… فالدور الذي يلعبه المغرب في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود يمنحه موقعا محوريا داخل منظومة الأمن الدولي. هذا الدور يعزز ثقة الشركاء الدوليين في قدرة الرباط على ضمان الاستقرار الإقليمي ويجعل من المقترح المغربي للحكم الذاتي خيارا يرتبط برهانات الأمن الجماعي والتنمية المستدامة.

وفي المقابل، تواجه الأطروحات الانفصالية تراجعا متسارعا نتيجة التحولات التي يشهدها النظام الدولي… حيث تتجه التوازنات السياسية نحو دعم الحلول الواقعية التي تستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية. كما أن التحولات الاقتصادية والتنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية تعزز قناعة المجتمع الدولي بأن المبادرة المغربية توفر أرضية عملية لتجاوز النزاع وفتح آفاق التعاون الإقليمي.

وتعتمد الاستراتيجية المغربية في تدبير الملف على مقاربة تقوم على تقديم صيغة توافقية تضمن إدماج مختلف الفاعلين داخل إطار السيادة الوطنية… وهو توجه يعكس رؤية سياسية تستند إلى المصالحة الإقليمية وتعزيز التكامل الاقتصادي داخل الفضاء المغاربي. ويمنح هذا التوجه المغرب صورة دولة تسعى إلى بناء حلول متوازنة تراعي متطلبات الاستقرار السياسي وتفتح آفاق التنمية المشتركة.

إن نموذج الحكم الذاتي الذي تقترحه الرباط يعكس تطورا متقدما في مفهوم الحكامة الترابية… حيث يوازن بين الحفاظ على الوحدة الترابية وتمكين الجهات من تدبير شؤونها المحلية وفق آليات مؤسساتية واضحة. ويجسد هذا النموذج قدرة المغرب على تطوير صيغ تنظيمية حديثة تعزز اللامركزية وتدعم المشاركة السياسية وتعكس روح الإصلاح الدستوري الذي يشهده البلد.

وتشير المعطيات السياسية الراهنة إلى أن مسار التسوية يسير نحو مرحلة جديدة تتزايد فيها مؤشرات الحسم التدريجي… حيث يتنامى الدعم الدولي وتتقلص هوامش المناورة أمام الأطراف الرافضة للحل الواقعي. ويعكس هذا التحول نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل الملف إلى قضية تحظى بإجماع دولي متزايد حول ضرورة إنهاء النزاع وفق مقاربة عملية ومستدامة.

كما أن النهج الدبلوماسي الذي تعتمده الرباط يقوم على الجمع بين الحزم السياسي والانفتاح التفاوضي… وهو توازن يعزز مصداقية المغرب داخل المنتظم الدولي ويمنحه قدرة على بناء تحالفات استراتيجية تدعم مسار التسوية. ويجسد هذا النهج رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز موقع المغرب داخل معادلة التوازنات الدولية.

وتتجه قضية الصحراء المغربية نحو أفق سياسي جديد تتداخل فيه رهانات السيادة الوطنية مع متطلبات التنمية الإقليمية… حيث تتحول المنطقة إلى فضاء واعد للاستثمار والتعاون الاقتصادي. ويعكس هذا التحول نجاح المقاربة المغربية في تحويل النزاع إلى فرصة لإعادة تشكيل المشهد التنموي وتعزيز الاستقرار داخل المنطقة.

إن مسار القضية يكشف عن تجربة دبلوماسية متفردة نجحت في توظيف عناصر القوة الناعمة والصلبة ضمن رؤية استراتيجية متماسكة… رؤية تؤكد أن الدفاع عن الوحدة الترابية يرتبط ببناء نموذج تنموي متكامل يعزز الانتماء الوطني ويكرس الاستقرار المؤسسي. وهكذا تستمر الصحراء المغربية في ترسيخ موقعها كقضية وطنية تحظى بإجماع داخلي واسع وإسناد دولي متنامي، ضمن مسار تاريخي يتجه بثبات نحو تثبيت السيادة وترسيخ الاستقرار طويل المدى.