*بقلم :رشيد حبيل.*
يقول الرئيس السابع للولايات المتحدة الأمريكية أندرو جاكسون: “إن الارتقاء الحقيقي للأمم لا يُقاس بما تشيّده من مبانٍ شامخة، ولا بما تكدّسه من ثروات عابرة، وإنما يُستدل عليه من خلال ما تغرسه في عقول أبنائها من معارف راسخة، وما تُشيّده في وجدانهم من قيم سامقة، فالمعلّم الذي يوقظ الفكر يضع أساس المجد، والذي يزرع الوعي ينسج خيوط المستقبل، والذي يمنح المعرفة بروح الإيمان برسالته يخلّد اسمه في ذاكرة الشعوب عبر الأزمنة…”
في دروب التعلّم تتعاقب الوجوه كما تتعاقب الفصول… غير أن بعض الشخصيات تستقر في الأعماق استقرار الجذور في التربة الخصبة… وتتحول إلى إشارات مضيئة كلما استُعيدت مسيرة التكوين واستُحضرت لحظات التشكّل الأولى للوعي… ومن بين تلك القامات التربوية تتجلّى الأستاذة ثورية هديوي حضورًا متوهجًا، متين الرسوخ، ممتد الأثر، حيث يتماهى التعليم في شخصها مع رسالة سامية تتغلغل في العقول وتستقر في الضمائر.
إن شخصية الأستاذة ثورية هديوي تُجسّد نموذجًا تربويًا متفرّد الملامح، حيث يتعانق التمكّن المعرفي مع الرؤية الإنسانية في تناغم بالغ الاتزان… فتتحول الحصة الدراسية داخل فضائها إلى منبر إشعاع فكري تتلاقح فيه الأفكار وتتشابك فيه التصورات وتتكوّن داخله ملامح المتعلم في أبهى تجلياتها… إذ تعتمد أسلوبًا تعليميًا يقوم على التوضيح المتدرّج، والشرح المستفيض، والتثبيت المتواصل الذي يرسّخ المعرفة في الذاكرة رسوخ المعالم الراسخة في تضاريس الزمن.
ويمتاز عطاؤها التربوي بقدرة فائقة على تقريب المفاهيم الدقيقة عبر لغة واضحة النسق، محكمة البناء، متينة الدلالة… فتغدو المعلومة داخل خطابها التعليمي معرفة نابضة بالحياة، ثابتة الاستقرار، ممتدة الحضور داخل الذهن… ويغدو المتعلم مشاركًا في تشكيل الدرس، منخرطًا في استيعابه، متفاعلًا مع تفاصيله، مستحضرًا أبعاده الفكرية والوجدانية في آن واحد.
كما يتجلّى حضورها الإنساني في طريقتها الفريدة في احتواء المتعلمين… حيث تستشعر ملامحهم النفسية وتستقرئ ظروفهم الاجتماعية، فتمنحهم دعمًا معنويًا متواصلًا، وتزرع داخل نفوسهم يقين القدرة على تجاوز العثرات… فتتشكل علاقة تربوية متماسكة قوامها التقدير العميق والثقة المتبادلة والاحترام الراسخ الذي يعزز الاندماج داخل العملية التعليمية ويمنحها بعدًا وجدانيًا متين الأسس.
ومن خلال مسيرتها المهنية تتبدّى ملامح الالتزام التربوي في أبهى صوره… إذ تنظر إلى التعليم باعتباره مشروعًا حضاريًا متكامل الأبعاد، حيث تسعى إلى بناء الإنسان معرفيًا وقيميًا… ولذلك تحرص على ترسيخ ثقافة الاجتهاد والانضباط عبر توجيه دقيق المعالم، متوازن الإيقاع، يعزز روح المسؤولية داخل شخصية المتعلم ويمنحه القدرة على تنظيم مساره الدراسي بثبات واستمرارية.
ويمتد إشعاع الأستاذة ثورية هديوي إلى المجال الثقافي والإبداعي، حيث تحضر بصمتها الفكرية حضورًا وارف الظلال… إذ تتعامل مع الكلمة باعتبارها وسيلة تهذيب للعقل وتشكيل للوعي وترسيخ للذوق المعرفي… فتغدو كتاباتها امتدادًا طبيعيًا لرسالتها التعليمية، حيث تبعث في القارئ شغف البحث عن المعنى وتوقظ داخله نزعة التأمل والتفكير… وهكذا تتكامل شخصيتها بين التعليم والإبداع في انسجام يكشف عمق رؤيتها لدور المثقف داخل المجتمع.
إن الأثر الذي تتركه الأستاذة ثورية هديوي في نفوس المتعلمين أثر متجذر، متأصل، متواصل الحضور… حيث تستمر كلماتها في مرافقة مساراتهم الدراسية والمهنية، وتظل توجيهاتها مرجعًا يستندون إليه في لحظات الحسم العلمي والاختيار المعرفي… وذلك دليل راسخ على أن رسالتها التربوية تتجاوز حدود الزمن المدرسي لتغدو تأثيرًا ممتدًا في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.
ويتجلى تميزها التربوي في قدرتها على الجمع بين الصرامة المنهجية والاحتواء الإنساني… حيث تحرص على ترسيخ قواعد الانضباط الفكري عبر توجيه حازم، متوازن الإيقاع، وفي الوقت ذاته تمنح المتعلم مساحة رحبة للتعبير عن أفكاره واستكشاف قدراته… فتتحقق معادلة تربوية رفيعة تقوم على الانسجام بين الحزم والاحتضان، بين التوجيه والتشجيع، بين البناء المعرفي والتوازن النفسي.
وعند استقراء مسارها التربوي يتضح أن حضورها داخل المؤسسة التعليمية لم يكن حضورًا وظيفيًا عابرًا… وإنما كان مشروعًا متكاملًا يسعى إلى صناعة جيل يمتلك أدوات الإدراك العميق وقيم المسؤولية الراسخة… فقد كانت ترى في نجاح المتعلمين امتدادًا لرسالتها التعليمية، وكانت تعتبر التفوق الدراسي نتيجة طبيعية للعمل الدؤوب والتوجيه الواعي والمتابعة المستمرة.
إن التجربة التي جسدتها الأستاذة ثورية هديوي تؤكد أن التعليم الحقيقي يرتبط بوجود شخصيات تمتلك حس الرسالة وعمق الانتماء للمهنة وإيمانًا متجذرًا بقيمة المعرفة… فالمعلم الذي يزرع الفكرة بإخلاص يظل أثره ممتدًا عبر الزمن، متوهج الحضور داخل الذاكرة الجماعية، راسخ التأثير في تشكيل المسارات الفكرية للأجيال.
وعند تأمل هذا النموذج التربوي المضيء تتجلى صورة التعليم في أرقى تجلياته… حيث يتحول الأستاذ إلى منارة إشعاع فكري، وإلى ركيزة لبناء الوعي، وإلى معبر نحو آفاق التميز والإبداع… وفي المقابل تبرز تجارب تعليمية أخرى اتسمت بخفوت التأثير وضآلة العطاء، حيث تحوّل التدريس داخلها إلى ممارسة جافة خالية من العمق المعرفي والإشعاع التربوي… فغابت البصمة، وتلاشت الذاكرة التعليمية، وانطفأت جذوة الإلهام داخل نفوس المتعلمين.
إن الفرق بين التجربتين يتجلى في طبيعة العلاقة التي تربط الأستاذ برسالته التعليمية… فالتعليم حين يُمارس بروح الالتزام يتحول إلى فعل بناء حضاري متكامل… وحين يُؤدّى بمعزل عن الإيمان بقيمته يفقد قدرته على التأثير ويغدو مجرد نشاط روتيني محدود الامتداد… وتجربة الأستاذة ثورية هديوي تمثل البرهان الحي على أن العطاء التربوي الصادق يترك أثرًا خالدًا، متين الثبات، ممتد الصدى عبر مسارات الزمن،إن حضورها داخل الذاكرة التعليمية يشكّل شهادة حية على أن التربية التي تُبنى على الإخلاص والعناية والتوجيه الواعي تثمر أجيالًا تمتلك القدرة على التفكير العميق والمساهمة الفاعلة في بناء المجتمع… وأن المعلم الذي يمنح المعرفة بروح إنسانية واعية يظل حضوره علامة مضيئة في سجل التعليم… إشراقة تستمر… وذكرى تتجدد… وأثرًا يتعاظم كلما تعاقبت السنوات وتراكمت التجارب… لتبقى ثورية هديوي عنوانًا للعطاء التربوي المتوهج… ونموذجًا راسخًا لرسالة التعليم حين تبلغ ذروة إشراقها وامتدادها في الوجدان الإنساني…

