بقلم/ سيداتي بيدا
في لحظات قليلة داخل مطار بلباو شمالي إسبانيا، انهارت الصورة اللامعة التي طالما قدّمت بها أوروبا نفسها للعالم باعتبارها “حامية الحريات وحقوق الإنسان”. فالمطار الذي كان يفترض أن يشهد استقبالًا إنسانيًا لناشطين عادوا من الاحتجاز، تحوّل فجأة إلى ساحة عنف وصدام، تتطاير فيها الصرخات والهراوات أمام عدسات الكاميرات.
ستة من ناشطي “أسطول الصمود العالمي” وصلوا إلى إسبانيا بعد أيام من الاحتجاز على يد القوات الإسرائيلية التي اعترضت سفينتهم في عرض البحر واختطفت المشاركين فيها. كانوا عائدين مثقلين بالتعب والضغوط، لكن ما كان ينتظرهم في بلباو بدا أكثر صدمة وإهانة.
داخل قاعة الوصول، احتشد متضامنون وأقارب لاستقبالهم بالتصفيق والعناق، قبل أن يتفجر المشهد فجأة عندما حاول أحد أفراد عائلات الناشطين الاقتراب منهم، ليقوم عنصر من الشرطة الإسبانية بمنعه بعنف شديد. ثوانٍ فقط كانت كافية لتحويل المطار إلى فوضى مكتملة؛ تدافع، صراخ، وضرب بالهراوات وسط ذهول المسافرين.
الصور التي بثتها وسائل إعلام إسبانية لم تترك مجالًا للتشكيك. رجال أمن يطاردون مدنيين داخل المطار، متضامنون يُطرحون أرضًا بعنف، ووجوه مذعورة تصرخ احتجاجًا على ما يحدث. لم يكن المشهد مجرد “تدخل أمني”، بل استعراض قوة فجّ ضد أشخاص لم يحملوا سوى موقف سياسي وإنساني.
الأخطر أن شرطة إقليم الباسك سارعت إلى اعتقال أربعة أشخاص بتهم “العصيان” و”مقاومة الشرطة”، متجاهلة تمامًا مشاهد العنف التي وثقتها الكاميرات.
وكأن المطلوب من المتضامنين أن يصمتوا، ومن الضحايا أن يقبلوا الإهانة دون اعتراض.
ما حدث في بلباو يتجاوز حدود حادثة عابرة داخل مطار.
إنه مشهد يفضح التناقض الأوروبي الصارخ؛ فالدول التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، تتحول بسرعة إلى آلة قمع عندما يرتفع صوت التضامن مع فلسطين.
وفي تلك الليلة، لم تكن الهراوات وحدها هي التي انهالت على المتضامنين، بل انهالت معها أسئلة محرجة على أوروبا كلها
أين تختفي حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟ ولماذا يصبح التضامن جريمة تستدعي الضرب والاعتقال؟

