الأحداث الوطنية|رياضة

عندما تصبح الكرة من ذهب مزاد الفيفا المفتوح على أحلام الجماهير

IMG-20260424-WA0119

 

 

بقلم/ سيداتي بيدا

 

يبدو أن كرة القدم، تلك اللعبة التي طالما تغنّت ببساطتها وانتمائها للشارع، قررت أخيرًا أن تعلن انفصالها الرسمي عن الجماهير، وتلتحق بنوادي النخبة حيث تُقاس المتعة بالأرقام الفلكية لا بالهتافات. أحدث فصول هذا التحول تجسّد في عرض أربع تذاكر لنهائي كأس العالم 2026 بسعر يقارب 2.3 مليون دولار للتذكرة الواحدة؛ نعم، الرقم صحيح، وليس خطأً مطبعيًا أو نكتة ثقيلة الظل.

في مشهد أقرب إلى المزادات الفنية منه إلى حدث رياضي، تُعرض مقاعد خلف المرمى وهي عادة ملاذ عشاق الكرة البسطاء وكأنها لوحات نادرة لفنان عبقري. المفارقة أن تذكرة مجاورة في نفس الفئة لم تتجاوز 16 ألف دولار، ما يطرح سؤالًا بسيطًا بقدر ما هو محرج: هل نشاهد نفس المباراة أم نسختين من الواقع، واحدة للأثرياء وأخرى لبقية البشر؟

السبب، كما يُقال، هو نظام إعادة البيع الجديد الذي تخلّى فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم عن دور “الحارس الأخلاقي” للأسعار، مفسحًا المجال لقوى السوق لتفعل ما تجيده: تضخيم، مبالغة، وشيء من العبث المقنن. هكذا، تحولت التذكرة من وسيلة حضور إلى أصل استثماري، ومن ذكرى رياضية إلى صفقة محتملة في سوق مفتوحة لا تعترف إلا بمن يدفع أكثر.

قد يحاول البعض تبرير هذا الانفلات بمنطق “الطلب والعرض”، لكن هذا التفسير، رغم وجاهته الاقتصادية، يغفل البعد الرمزي للرياضة. فالمباريات الكبرى لم تكن يومًا مجرد سلع، بل مناسبات جامعة، تُذيب الفوارق وتخلق لحظة إنسانية مشتركة. أما اليوم، فيبدو أن تلك اللحظة أصبحت حكرًا على من يملك حسابًا مصرفيًا بحجم أحلامه، أو ربما أكبر.

السخرية هنا ليست في الرقم ذاته، بل في الرسالة الضمنية: كرة القدم لم تعد للجميع، بل لمن يستطيع شراء “نسخة مميزة” منها. وكأننا أمام اشتراك فاخر في منصة ترفيهية، حيث تُباع الإثارة وفق باقات، وتُسعّر المشاعر بالدولار.

في النهاية، قد لا يكون مستغربًا أن يصل سعر التذكرة إلى هذا الحد، لكن المدهش حقًا هو مدى تقبلنا لذلك. فحين تصبح مشاهدة هدف في النهائي امتيازًا نخبويًا، لا بد أن نتساءل: هل ما زلنا نشجع نفس اللعبة، أم أننا نشاهد تحولها التدريجي إلى عرض خاص لا مكان فيه للجماهير التي صنعت مجدها؟

ربما آن الأوان لإعادة التفكير، لا في الأسعار فقط، بل في المعنى ذاته للعبة.