الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

الدكتور رشيد باجي… من منصة الثقافة إلى رحاب الفكر وأسئلة المجتمع.

IMG-20261002-WA0067

 

 

بقلم :ر.ح.

 

 

يحضر الدكتور رشيد باجي في الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، في موعد ثقافي وفكري يتجاوز حدود العرض المسرحي، ويفتح مساحة للنقاش حول الثقافة والهوية والتعدد والتحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة. فالمشاركة الأكاديمية في مثل هذه المناسبات تمنح النقاش امتدادًا آخر، وتجمع بين التعبير الثقافي والقراءة العلمية، وبين الخشبة والفكرة، وبين الذاكرة والأسئلة التي يطرحها الحاضر.

 

وتنظم هذه الدورة فضاء تافوكت للإبداع، بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وجهة الدار البيضاء–سطات، من 30 شتنبر إلى 4 أكتوبر 2026، ضمن برنامج يجمع العروض المسرحية واللقاءات الفكرية والعلمية والتكوين، بمشاركة أسماء وتجارب من المغرب وعدد من الدول العربية. وهو برنامج يضع الثقافة الأمازيغية في فضاء أوسع، تتجاور فيه الفنون مع الفكر، والإبداع مع النقاش، والفرجة مع التأمل.

 

ويأتي حضور الدكتور رشيد باجي ضمن جلسة تناقش موضوع «التعدد الثقافي وبناء الهوية الوطنية في مغرب متعدد الروافد»، وهو موضوع يضع مجموعة من الأسئلة في الواجهة: كيف يُفهم التعدد الثقافي؟ وكيف تتفاعل مكونات الهوية الوطنية؟ وما موقع الثقافة واللغة والذاكرة في بناء الانتماء المشترك؟ ثم كيف انتقلت الأمازيغية، عبر مسار طويل، من مطلب ثقافي إلى حضور دستوري ومؤسساتي؟

 

هذه الأسئلة تجعل المشاركة أبعد من مجرد حضور في برنامج ثقافي؛ لأنها تفتح مجالًا للربط بين المعرفة والمجتمع، وبين الجامعة والفضاء الثقافي، وبين البحث والأسئلة التي تتحرك داخل الحياة العامة. فالقضايا المرتبطة بالهوية والتعدد تحتاج إلى قراءة هادئة ومتأنية، تستحضر التاريخ والدستور والثقافة والمجتمع، وتضع كل عنصر في سياقه بدل اختزال المسألة في شعار أو موقف عابر.

 

ويكتسب استحضار خطاب أجدير لسنة 2001 أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره محطة أساسية في مسار الأمازيغية بالمغرب. فقد عرف هذا المسار تحولات متتالية، وصولًا إلى دستور 2011 الذي كرس الأمازيغية لغة رسمية للدولة، ثم إلى مراحل لاحقة ارتبطت بالتشريع والتنزيل والسياسات العمومية. وهكذا انتقل النقاش من سؤال الاعتراف إلى سؤال التفعيل، ومن إثبات الحضور إلى ترسيخ المكانة، ومن التعبير الثقافي إلى الحضور داخل المؤسسات.

 

ويمنح المسرح لهذه القضايا لغة مختلفة؛ فهو يقدم الثقافة في صورة حية، ويجعل اللغة والذاكرة والإنسان والمكان عناصر قابلة للمشاهدة والنقاش. لذلك يصبح المسرح الأمازيغي مساحة للتعبير الفني، وفي الوقت نفسه مجالًا لاستعادة الذاكرة وطرح الأسئلة ومناقشة التحولات التي يعرفها المجتمع.

 

وفي المقابل، يمنح حضور الفكر الأكاديمي لهذا المشهد بعدًا آخر؛ فالباحث يقرأ الظاهرة من خلال المفاهيم والمعطيات والسياقات، بينما يعبر الفنان عنها من خلال الشخصية والحوار والحركة والصورة. وبين الطريقتين تتسع مساحة الفهم، وتتعدد زوايا النظر، ويصبح النقاش أكثر قدرة على تجاوز الانطباع السريع نحو قراءة أعمق وأقرب إلى الواقع.

 

كما أن مشاركة الدكتور رشيد باجي في هذا الموعد الثقافي تندرج ضمن حضور أوسع للجامعة في النقاشات التي تتصل بالمجتمع وقضاياه. فالجامعة فضاء للعلم والبحث والتكوين، لكنها كذلك مؤسسة تنفتح على محيطها، وتشارك في الندوات واللقاءات والحوارات التي تتناول قضايا ذات صلة بالهوية والثقافة والسياسة والقانون والتحولات الاجتماعية.

 

ومن هذه الزاوية، فإن الجمع بين المسرح والبحث الأكاديمي يحمل معنى واضحًا؛ الثقافة تطرح الأسئلة، والفكر يحللها، والمجتمع يمنحها سياقها الحقيقي. وبين هذه المستويات تتشكل صورة أكثر وضوحًا لمسار الأمازيغية في المغرب، من خطاب أجدير إلى الدستور، ومن الاعتراف إلى التفعيل، ومن الذاكرة إلى الحاضر.

 

وتظل قيمة مثل هذه اللقاءات مرتبطة بقدرتها على فتح النقاش بدل إغلاقه، وعلى تقديم الثقافة باعتبارها جزءًا من الحياة العامة، لا مجرد نشاط موسمي. فالمسرح يستطيع أن يروي ما عاشه المجتمع، والجامعة تستطيع أن تفكك ما يطرحه الواقع من أسئلة، والذاكرة تستطيع أن تربط الماضي بالحاضر… وعندما تلتقي هذه العناصر، تصبح الثقافة مساحة لفهم المجتمع قبل أن تكون مساحة للفرجة.