الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

من تشكيل الحكومة إلى امتحان الشارع.. ماذا ينتظر المغاربة من حكومة المنصوري؟ 

IMG-20261002-WA0025

 

سعيد الطهاري: الأحداث الوطنية

 

لم يعد السؤال في المغرب اليوم مرتبطاً فقط بمن سيجلس حول طاولة المجلس الحكومي المقبلة، ولا بعدد الحقائب التي ستوزع بين مكونات الأغلبية، بل بما ستقوله هذه الحكومة للمغاربة عندما تنتقل من مرحلة التفاوض السياسي إلى مرحلة تدبير الملفات اليومية.

فبعد الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة، دخل المشهد السياسي مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: أي حكومة يريدها المغاربة، وبأي برنامج ستواجه انتظاراتهم المتراكمة؟

المطلوب هذه المرة لن يكون مجرد هندسة حكومية جديدة، بل قدرة على تحويل الوعود إلى إجراءات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية. فالحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام ملفات متشابكة، بعضها اقتصادي واجتماعي، وبعضها يرتبط بموقع المغرب الإقليمي والدولي، فيما يفرض اقتراب مونديال 2030 إيقاعاً خاصاً على المرحلة المقبلة.

غلاء المعيشة.. الاختبار الأقرب إلى المواطن

يبقى ملف القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية. فالمواطن لا يقيس أداء الحكومة بلغة المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما بما يتبقى من راتبه بعد أداء مصاريف السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة.

وحتى مع تسجيل تحسن في بعض مؤشرات سوق الشغل، فإن الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تُظهر أن معدل البطالة خلال الفصل الثاني من 2026 بلغ 9.5 في المائة، فيما ارتفع إلى 27.2 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة. كما بلغ معدل الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى هذه الفئة 41.7 في المائة.

وهنا سيكون السؤال أمام الحكومة الجديدة أكثر تحديداً: كيف يمكن الانتقال من تدبير آثار الغلاء إلى معالجة أسبابه، ومن خلق فرص عمل مؤقتة أو محدودة إلى توفير وظائف مستقرة ودخل يحفظ كرامة الأسر؟

فالانتظارات لا تتوقف عند خفض أسعار بعض المواد، وإنما تمتد إلى الأجور، والضرائب، والسكن، والنقل، والصحة والتعليم، وجودة الخدمات العمومية.

الهجرة.. ملف مغربي بأبعاد أوروبية

أما ملف الهجرة، فقد أصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد أزمة سبتة خلال يوليوز الماضي، والتي شهدت عبور عشرات الآلاف في ظرف استثنائي، وأعادت ملف الهجرة إلى واجهة النقاش المغربي والأوروبي.

الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع هذا الملف من زوايا متعددة: حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وفي الوقت نفسه تطوير سياسات الهجرة والإدماج، وتعزيز المسارات القانونية للهجرة والتنقل.

كما أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي ستفرض حضوراً قوياً لهذا الملف، خصوصاً أن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي دخل حيز التطبيق في يونيو 2026، بينما يؤكد الاتحاد الأوروبي أهمية تعاونه مع المغرب في تدبير الهجرة والحدود والعودة، إلى جانب تطوير مسارات الهجرة القانونية والتنقل الدائري.

وبذلك لن يكون التحدي مجرد أمني، بل دبلوماسي واجتماعي واقتصادي أيضاً.

المونديال.. فرصة كبرى ومسؤولية أكبر

ثم يأتي ملف كأس العالم 2030، الذي سيكون أحد أبرز عناوين الولاية الحكومية المقبلة.

فالمغرب لا يستعد لاستضافة مباريات فقط، بل ينخرط في أوراش مرتبطة بالملاعب والنقل والمطارات والفنادق والسكك الحديدية والبنيات التحتية. وقد أُحدثت “مؤسسة المغرب 2030” لتنسيق وتتبع عدد من هذه الأوراش، ضمن مقاربة تشمل الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات والقطاع الخاص ومكونات المجتمع.

وفي هذا الملف تحديداً، سيكون الرهان على ما بعد المونديال بقدر الرهان على إنجاحه. فالمواطن يريد أن يعرف: ماذا سيبقى له من هذه الاستثمارات؟ وهل ستتحول إلى فرص شغل، ونقل أفضل، ومستشفيات ومدارس وبنيات عمومية أقوى، وتنمية متوازنة بين المدن والمجالات؟

ذلك أن نجاح المونديال لن يقاس فقط بصورة المغرب أمام العالم، وإنما أيضاً بحجم الإرث الذي سيتركه للأجيال المقبلة.

من المغرب الكبير إلى تفاصيل الحياة اليومية

وإلى جانب هذه الملفات الثلاثة، ستجد الحكومة نفسها أمام تحديات أخرى لا تقل أهمية: إصلاح التعليم والصحة، معالجة أزمة البطالة، تحسين الإدارة، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ودعم الاستثمار والمقاولة، مع الحفاظ على التوازنات المالية للدولة.

لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في مكان آخر: هل ستنجح الحكومة في الربط بين الأوراش الكبرى وحاجات المواطن اليومية؟

فالمغرب يعيش في الوقت نفسه مرحلة استثمارات كبرى واستعدادات لحدث عالمي، بينما ينتظر جزء من المجتمع نتائج ملموسة في التشغيل والدخل والخدمات. وهذه المعادلة ستكون من أصعب ما سيواجه الحكومة الجديدة.

لقد بدأت فاطمة الزهراء المنصوري بالفعل مشاورات تشكيل الأغلبية، بعد تكليفها رسمياً بتشكيل الحكومة. لكن اكتمال الهندسة الحكومية سيكون مجرد بداية؛ لأن الامتحان الفعلي سيبدأ عندما تنتقل الحكومة من أسماء الوزراء إلى الأرقام والبرامج والقرارات والنتائج.

وفي النهاية، لن ينتظر المواطن من الحكومة الجديدة فقط أن تقدم برنامجاً حكومياً متكاملاً، بل أن تقدم إجابات قابلة للقياس عن أسئلة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها: كيف سنعيش بشكل أفضل؟ أين فرص العمل؟ ماذا عن الأسعار؟ كيف ستتطور الصحة والتعليم؟ وماذا سيعود على المواطن من أوراش 2030؟

تلك هي الملفات التي ستحدد، مع مرور الوقت، صورة الحكومة الجديدة في نظر المواطنين، بعيداً عن أسماء الوزراء وترتيب الحقائب وشكل التحالفات. فالمرحلة المقبلة لن تكون مجرد انتقال حكومي، بل اختباراً لقدرة السياسة العمومية على تحويل المشاريع الكبرى إلى مكاسب محسوسة في الحياة اليومية للمغاربة.