بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد أزمة الوقود في أوروبا مجرد موجة عابرة يمكن للحكومات احتواؤها بالتصريحات والوعود.
ما يجري في فرنسا بدأ يكشف الوجه الأكثر قسوة لأزمة الطاقة: محطات تواجه اضطرابات في الإمدادات، أسعار تتصاعد، ومواطنون يجدون أنفسهم أمام فاتورة وقود تستنزف قدرتهم الشرائية يوماً بعد آخر.
لكن الأخطر أن النيران الفرنسية لا تبدو بعيدة عن إسبانيا.
في مدريد وبرشلونة وباقي المدن الإسبانية، لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات خبراً اقتصادياً بارداً، بل أصبح قضية تمس الحياة اليومية مباشرة. البنزين والديزل يرتفعان تحت ضغط سوق نفطية مضطربة، فيما يقترب خام برنت من مستويات شديدة الارتفاع، لتجد الأسر الإسبانية نفسها أمام سؤال صعب: إلى أين يمكن أن تصل الأسعار إذا استمرت الضغوط على الإمدادات العالمية؟
المشكلة لا تتوقف عند خزان السيارة.
فالديزل هو شريان النقل البري، والقطاع الفلاحي، والصيد، والخدمات اللوجستية. وكل ارتفاع حاد في تكلفته يمكن أن يتسلل تدريجياً إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات والنقل، قبل أن يصل في النهاية إلى جيب المواطن.
وهنا تحديداً يصبح المشهد الفرنسي جرس إنذار لا يجوز لمدريد التعامل معه باستخفاف.
الأسوأ ليس ارتفاع السعر، بل احتمال تحول اضطراب السوق إلى أزمة إمدادات. وعندما تبدأ محطات الوقود في مواجهة صعوبات حقيقية، يصبح الوقت أكثر كلفة من المال، وتتحول الإجراءات المتأخرة إلى محاولات يائسة لاحتواء أزمة كان يمكن الاستعداد لها مسبقاً.
لقد انتهى زمن التعامل مع أمن الطاقة بمنطق رد الفعل.
إسبانيا بحاجة إلى حماية مخزوناتها الاستراتيجية، وتنويع قنوات الإمداد، ومراقبة انعكاسات ارتفاع الأسعار على المواطنين والقطاعات الأكثر هشاشة. أما الاكتفاء بتفسير كل شيء بالتوترات الدولية وتقلبات الأسواق، فلن يكون كافياً إذا طال أمد الأزمة.
فرنسا تقدم اليوم درساً قاسياً: أزمة الوقود لا تنتظر موافقة الحكومات حتى تبدأ.
والسؤال الذي يطرق أبواب مدريد بعنف ليس ما إذا كانت أسعار المحروقات سترتفع مجدداً، بل هل أعدّت إسبانيا نفسها لأسوأ سيناريو، أم أنها ستنتظر حتى تصبح محطات الوقود هي من يعلن حالة الطوارئ؟
فالوقود ليس مجرد سلعة
إنه عصب الاقتصاد، وعندما يختنق العصب، يدفع الجميع الثمن.

