الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

بوجدور مدينة تبتلعها الرمال باسم التنمية حين تحولت مشاريع الطاقة الريحية من وعدٍ بالمستقبل إلى كابوسٍ يهدد الحياة والاستقرار

Screenshot_20260726-101306

 

 

بقلم / سيداتي بيدا

لم تعد بوجدور تلك المدينة الهادئة التي تعانق المحيط وتغازلها الرياح، بل أصبحت مدينة تطاردها الرياح نفسها، بعدما تحولت الكثبان الرملية إلى ضيف ثقيل لا يغادر، يقتحم الأحياء السكنية، ويدفن الطرقات، ويحاصر المقابر، ويعلن كل صباح انتصارًا جديدًا على مدينة يبدو أنها تُركت تواجه مصيرها وحيدة.
المشهد لم يعد استثنائيًا، بل صار جزءًا من الحياة اليومية. الرمال تتقدم بلا استئذان، والمنازل تستيقظ على أكوام جديدة أمام أبوابها، والسيارات تغوص في كثبان لم تكن موجودة بالأمس، فيما يقضي السكان ساعات طويلة في إزالة الرمال، قبل أن تعود الرياح لتسخر من جهودهم وتعيد المشهد من جديد، وكأن المدينة دخلت في حلقة عبثية لا نهاية لها.
المفارقة التي تثير السخرية المريرة أن بوجدور أصبحت من أبرز مناطق إنتاج الطاقة الريحية، غير أن هذه الرياح التي كان يفترض أن تكون مصدرًا للتنمية والنماء، تحولت في نظر كثير من السكان إلى عنوان لمعاناة يومية، بعدما تزايدت المخاوف من تأثير مشاريع الطاقة الريحية على حركة الكثبان الرملية واتجاهها، في ظل غياب تفسيرات علمية واضحة وإجراءات عملية تطمئن الساكنة وتحمي المجال البيئي.
فأي تنمية هذه التي تجعل المواطن يحمل المجرفة بدل حقيبة العمل؟ وأي نجاح يُحتفى به بينما المقابر تُدفن تحت الرمال، والأحياء تتحول تدريجيًا إلى امتداد للصحراء؟ بل كيف يمكن الحديث عن مدن ذكية ومستدامة، في وقت أصبح فيه الوصول إلى بعض المنازل يتطلب إزالة الرمال قبل فتح الباب؟
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد التوربينات العملاقة التي تدور في الأفق، ولا بحجم الاستثمارات المعلنة في المؤتمرات، بل تُقاس بمدى شعور المواطن بالأمان داخل مدينته. فإذا أصبح الإنسان هو الحلقة الأضعف في معادلة التنمية، فإن المشروع يحتاج إلى مراجعة، لا إلى مزيد من الشعارات اللامعة.
المؤسف أن الصمت الرسمي أصبح أكثر حضورًا من الحلول. فلا دراسات بيئية تُعرض للرأي العام، ولا خطط واضحة لمواجهة زحف الرمال، ولا تواصل مسؤول يجيب عن أسئلة السكان الذين يرون مدينتهم تتغير أمام أعينهم، دون أن يجدوا من يشرح لهم ما يحدث أو يطمئنهم إلى المستقبل.
إن الكثبان الرملية ليست مجرد مشهد طبيعي عابر، بل خطر حقيقي يهدد البنية التحتية، ويزيد من كلفة الصيانة، ويؤثر على جودة الحياة، ويضع مستقبل المدينة أمام تحديات لا يجوز التقليل من شأنها. واستمرار هذا الوضع يعني أن بوجدور قد تجد نفسها أمام واقع تصبح فيه الرمال هي الحاكم الفعلي للمدينة، بينما تتراجع مظاهر العمران والاستقرار عاما بعد اخر .
ان حماية البيئة ليست ترفا بل مسؤولية دستورية واخلاقية ومشاريع الطاقة المتجددة مهما بلغت اهميتها لا ينبغي ان تنفذ بمعزل عن تقييم أثارها البيئية والاجتماعية ولا ان تتحول الى سبب في معاناة السكان او تهديد استقرارهم.
بوجدور اليوم لا تحتاج الى بيانات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى قرارات شجاعة ودراسات مستقلة وخطة عاجلة لتثبيت المكتبات الرملية وحماية الاحياء والمثابرة والطرقات والتاريخ لن يتذكر عدد المراوح التي دارت فوق الرمال بل سيتذكر ان كانت تلك المشاريع قد صنعت مدينة قابلة للحياة ام مدينة ابتلعتها الرمال تحت لافتة تحمل اسم التنمية المستدامة.