يعتبر المجمع الشريف للفوسفاط اليوم صرحاً صناعياً رائداً يتصدر المشهد الوطني والدولي في مجال الانتقال البيئي، حيث نجح في تحويل ترشيد استهلاك المياه من مجرد إجراء تقني إلى خيار استراتيجي ثابت ضمن رؤيته الصناعية والبيئية الشاملة. وتتجسد هذه الريادة في الاعتماد المتزايد على موارد مائية غير تقليدية، ترتكز بشكل أساسي على تكنولوجيا تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة، وهي خطوة استباقية تهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الضغط على الفرشة المائية والموارد الطبيعية المحدودة للمملكة.
هذا التوجه تعززه منظومة متطورة لإعادة تدوير المياه داخل الوحدات الصناعية، حيث وصلت نسبة التدوير إلى 90%، وهي واحدة من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً في قطاع الصناعات المنجمية. ويتم تجميع المياه المستخدمة في عمليات غسل الفوسفاط بعناية فائقة داخل أحواض مخصصة، حيث تخضع لعمليات تصفية ومعالجة دقيقة قبل إعادة ضخها في الدورة الصناعية، ما يبرز التزام المجمع بالحد من الهدر ومحاربة التلوث بكل أشكاله.
ولم يقتصر أثر المجمع على الجانب الصناعي الصرف، بل امتد ليكون فاعلاً اجتماعياً ومجالياً من خلال دعمه المباشر لإنجاز وتطوير محطات معالجة المياه العادمة في مدن خريبكة، وتادلة، وبني ملال، والفقيه بن صالح. هذا الاستثمار يهدف إلى خلق موارد مائية بديلة ومستدامة تدعم القطاع الفلاحي وتلبي احتياجات الساكنة، مكرساً بذلك مفهوم المؤسسة المواطنة.
ويستحق المجمع الشريف للفوسفاط كل الثناء والتقدير على هذا المسار الاستباقي الذي يجمع بين النجاعة الاقتصادية والمسؤولية البيئية. فالمؤسسة لم تكتفِ بمواكبة التحولات العالمية، بل سبقت إليها باستثمارات ضخمة في التقنيات النظيفة والطاقات المتجددة، واضعةً معايير جديدة للصناعة المستدامة في إفريقيا والعالم. كما أن انفتاحها على محيطها الاجتماعي، وحرصها على إشراك الساكنة والمجالس المنتخبة في مشاريع الماء والبيئة، يعكس روح المواطنة الحقة التي تجعل من النمو الاقتصادي رافعة للتنمية البشرية والمجالية.
أما بخصوص الحادث الأخير الذي شهدته منطقة المفاسيس، فإنه رغم المخاوف المشروعة التي قد يثيرها، يظل في جوهره حادثاً عرضياً ومعزولاً لا يمكن أن يطغى على الصورة المشرقة لمؤسسة وطنية تستثمر مليارات الدراهم في حماية النظم البيئية وتطوير التقنيات النظيفة. فالعبرة في المنشآت الصناعية الكبرى لا تكمن في انعدام الحوادث التقنية الظرفية، بل في مدى سرعة الاستجابة، والتحلي بالشفافية، واتخاذ التدابير التصحيحية الفورية لمنع تكرارها.
إن المجمع الشريف للفوسفاط ليس مجرد قاطرة للإنتاج، بل هو شريك حيوي في التنمية الوطنية، يساهم في خلق آلاف فرص الشغل ويقود قاطرة الابتكار في مجالات الماء والطاقة. وإذا كانت المراقبة البيئية حقاً مكفولاً، فإن الإنصاف يفرض الاعتراف بالمجهودات الجبارة التي يبذلها المجمع في تدبير الموارد الطبيعية بمسؤولية، بعيداً عن القراءات الأحادية التي تغفل حجم التحولات الإيجابية والعميقة التي يشهدها هذا القطاع الحيوي.