الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل هي القلب النابض لأي مشروع مجتمعي يسعى إلى التقدم. فهي مصنع المعرفة والابتكار، ومن خلالها تتشكل الكفاءات القادرة على رفع تحديات التنمية. كما أنها فضاء لصون هوية المواطن وحمايته من الانزلاقات الفكرية والانهيارات القيمية. لذلك، فالجامعة ليست فقط قاطرة للتنمية، بل هي رافعة المجتمع وصمام أمانه ضد الجهل والابتذال.
ومع التنافس المتصاعد بين الجامعات عبر العالم، وضعت هيئات دولية معايير دقيقة لقياس أثر المؤسسات الجامعية على الاقتصاد والمجتمع والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، استطاعت جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أن تحقق، إلى حدود سنة 2023، نتائج مهمة:
تموضعت ضمن الفئة 1001–1200 عالمياً في تصنيف THE 2023، محققة تقدماً نوعياً مقارنة بالسنوات السابقة.
حجزت موقعاً مشرفاً ضمن الفئة 301–400 في مؤشر جودة التعليم (Quality Education) حسب تصنيف THE Impact Rankings (SDGs 2025).
تصدرت مراتب وطنية عدة بفضل استراتيجيتها في دعم البحث العلمي والنشر وتعزيز شراكاتها على المستويين الوطني والدولي.
لكن هذه النجاحات سرعان ما تراجعت، لتكشف وجهاً آخر أقل إشراقاً. فالمتتبع اليوم للشأن الجامعي يقف مذهولاً أمام ما آلت إليه أوضاع الجامعة. فبعد أن كانت منارة علمية لعقود ووجهة للباحثين، صارت أقرب إلى مؤسسة خاملة، بعيدة عن دينامية التنمية والتغيير. ويكفي النظر إلى تراجعها الكبير في تصنيفات سنة 2025 لتتضح الصورة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما السبب؟ هل هي أزمة إدارة؟ أزمة ريادة؟ أم بالأحرى أزمة إرادة؟ الحقيقة أن كل هذه الأبعاد تجتمع لتكشف عن غياب رؤية استراتيجية ووضوح في القيادة. فضعف القيادة والاكتفاء بتسيير إداري يومي محدود الأفق جعلا الجامعة تفقد موقعها الريادي، وتلقي بظلال قاتمة على مؤسساتها وهياكلها. وهكذا وجدت إرادة الأساتذة والطلبة والموظفين، وحتى الشركاء، نفسها عاجزة أمام جدار من الجمود، حيث يظل الحلم مؤجلاً، ويتشبث الأمل معلّقاً في انتظار إصلاح استراتيجي ومشروع تنموي جديد للجامعة.

