الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

الرماني نموذجًا : التعليم خلف الأسوار بصيص أمل 60 نزيلا لرسم ملامح مستقبل أفضل.

IMG-20250524-WA0102


الأحداث الوطنية: متابعة.
لطالما نظرت المجتمعات إلى المؤسسات السجنية على أنها مجرد أماكن للعقاب والحرمان من الحرية، وهو تصور قديم بدأ يتغير تدريجيا ليفتح الباب أمام رؤية أكثر شمولية وإنسانية؛ رؤية ترى في السجن فضاء لإعادة التأهيل والإصلاح ؛ وفي قلب هذه الرؤية، يبرز التعليم كركيزة أساسية في صياغة سلوك النزيل، وتقديم فرصة حقيقية له لإعادة بناء حياته، ليصبح فردًا منتجًا وصالحًا عند عودته إلى المجتمع.
إن أهمية التعليم داخل المؤسسات السجنية لا تكمن فقط في اكتساب المعرفة الأكاديمية أو المهنية، بل تتعداها إلى غرس قيم أعمق وأكثر تأثيراً في شخصية النزيل. فالتعليم يعزز من تقدير الذات والثقة بالنفس لدى من فقدوا الأمل، ويفتح آفاقاً جديدة للتفكير النقدي والتخطيط للمستقبل ؛ إنه يمثل نافذة على عالم خارج القضبان، يذكر النزيل بقدراته الكامنة وبإمكانية التغيير؛ الأهم من ذلك، يساهم التعليم في تقليل نسبة العودة إلى الجريمة (حالات العود ) بشكل ملحوظ، إذ يمنح النزيل المهارات اللازمة للاندماج في سوق العمل بعد الإفراج عنه، وبالتالي توفير بدائل مشروعة عن طرق الكسب غير القانونية.
وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة السجنية بالرماني كنموذج يحتذى به، حيث تجسد الإدارة الحكيمة والجهود المخلصة رؤية واضحة لأهمية التعليم والإصلاح. فبقيادة السيد المدير الجديد السيد حسن ايت بولحسن ، الذي يتمتع بخصال عالية من الأخلاق والصرامة والسلوك الحسن، انعكس ذلك إيجاباً على الأجواء داخل وخارج أسوار المؤسسة ، هذا التأثير الإيجابي لم يكن ليتحقق لولا وجود قيادة تؤمن بأن الإصلاح ممكن،وكذا وجود موظفين كالمرشد الاجتماعي محمد جلام الذي اصبح اسمه يتردد بين النزلاء لتقديمه الخدمات الضرورية والقانونية ، ومساعدة عائلات النزلاء بشهادة مرتفقين ومترددين على المؤسسة ، اضافة إلى تظافر جهود أطر المؤسسة من المقتصد و رئيس مصلحة الامن و الانضباط و الضبط القضائي المؤمنين بأن التغيير يبدأ من الداخل، وقد سبق للمؤسسة تنظيم امتحانات السنة التاسعة بنجاح، مما مهد الطريق لهذا الإنجاز الجديد.
ويأتي الخبر السار اليوم ليؤكد هذه الرؤية والجهود المبذولة، حيث يتقدم 60 نزيلاً لاجتياز امتحانات البكالوريا لهذه السنة. ولأول مرة يجري الامتحان بالسجن المحلي بالرماني، وقد وفر السيد المدير كل الظروف الملائمة للنزلاء بالقطاع 1 من أجل المراجعة والتحضير الجيد ؛ هذا العدد الكبير من المتقدمين يتكون من 52 نزيلاً من مؤسسة السجنية الفلاحي الرماني، إضافة إلى ثمانية نزلاء من السجن المحلي ؛ هذا الإقبال غير المسبوق ليس مجرد إحصائية، بل هو دليل قاطع على العطش للمعرفة والرغبة الصادقة في التغيير لدى هؤلاء النزلاء، وهو أيضاً شهادة على نجاح البرامج التعليمية والتأهيلية المتاحة داخل المؤسسة ؛ ومساهمة المنذوبية العامة لاإدارة السجون في التفعيل والتنزيل لمخططاتها الطموحة ، إنه إنجاز يحسب لإدارة السجن ولكل من ساهم في توفير هذه الفرص التعليمية القيمة.

إن الاستثمار في تعليم النزلاء هو استثمار في مستقبل المجتمع بأسره ؛ فكل نزيل يتعلم ويكتسب مهارات جديدة، هو فرد محتمل سيخرج إلى المجتمع حاملاً شهادة تعليمية، وقادرا على المساهمة الإيجابية، بدلاً من أن يكون عبئاً. هذه المبادرات لا تقتصر فوائدها على النزلاء وأسرهم فحسب، بل تمتد لتشمل تقليل العنف داخل السجون، وتحسين الأوضاع الأمنية، وبناء جسور الثقة بين النزيل والمؤسسة، ومن ثم بين النزيل والمجتمع.
في الختام، إن قصة نجاح المؤسسة السجنية بالرماني مع هذا العدد الكبير من النزلاء المقبلين على امتحان البكالوريا هي أكثر من مجرد خبر؛ إنها رسالة أمل قوية تؤكد أن الإصلاح ممكن، وأن التعليم هو المفتاح الذهبي الذي يفتح أبواب الحرية الحقيقية، ليس فقط من القيود المادية، بل من قيود الجهل واليأس، ليرسم ملامح مستقبل أفضل للجميع.