الأحداث الوطنية|الأحداث الوطنية

الملك محمد السادس نصره الله… عبقرية الحكامة الاستراتيجية وصناعة مغرب القوة والسيادة خلال سبعة وعشرين عامًا

IMG-20260725-WA0002

 

بقلم: حبيل رشيد.

 

باحث في الحكامة العمومية.

 

في تاريخ الأمم رجالٌ يصنعون الأحداث، وفي تاريخ الدول قادةٌ يعيدون تشكيل ملامح الأوطان برؤية تتجاوز منطق التدبير اليومي إلى أفق البناء الاستراتيجي طويل المدى، حيث تصبح القيادة مشروعًا حضاريًا متكاملًا، وتغدو الدولة فضاءً متجددًا للإصلاح والتنمية والابتكار. ومن المؤكد أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يمثل أحد أبرز القادة الذين نجحوا في إرساء نموذج متفرد للحكامة الاستراتيجية، قائم على استشراف المستقبل، وربط القرار السياسي بالرؤية التنموية، وتوجيه مختلف السياسات العمومية نحو غاية واحدة تتمثل في بناء مغرب قوي، متماسك، مزدهر، واثق من مؤسساته، ومتشبث بثوابته، ومنفتح في الوقت ذاته على التحولات الدولية والمتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية.

 

وتأتي الذكرى السابعة والعشرون لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين مناسبة وطنية لاستحضار مسيرة استثنائية، لم تُقاس بمنطق السنوات، وإنما بمنطق الإنجازات المتراكمة، والتحولات العميقة، والإصلاحات البنيوية التي مست مختلف القطاعات، حتى أصبح المغرب اليوم نموذجًا إقليميًا يحظى باحترام شركائه، ويحتل مكانة متقدمة في العديد من المؤشرات المرتبطة بالبنيات التحتية، والاستقرار المؤسساتي، وجاذبية الاستثمار، والطاقات المتجددة، والدبلوماسية الفاعلة، والأمن، والتعاون جنوب–جنوب.

 

ولا شك أن مفتاح قراءة هذه التجربة يكمن في مفهوم الحكامة الاستراتيجية، الذي تحول في العهد الجديد إلى فلسفة متكاملة في إدارة الدولة، تتجاوز التدبير الإداري التقليدي، لتؤسس لمنهج يرتكز على التخطيط بعيد المدى، والنجاعة في التنفيذ، والتقييم المستمر، والقدرة على التكيف مع الأزمات، واستثمار الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق التكامل بين مختلف الفاعلين والمؤسسات. فالحكامة الاستراتيجية، في التجربة المغربية، لم تعد مجرد مفهوم نظري متداول في الأدبيات الإدارية، وإنما أصبحت ممارسة عملية تجسدت في إطلاق الأوراش الكبرى، وتحديث الإدارة، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وتوسيع فضاءات الاستثمار، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

 

لقد أدرك جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، منذ اعتلائه العرش، أن رهانات القرن الحادي والعشرين تختلف جذريًا عن رهانات العقود السابقة، وأن الدولة التي ترغب في الحفاظ على مكانتها مطالبة ببناء اقتصاد تنافسي، وإدارة حديثة، ومؤسسات قوية، ورأسمال بشري مؤهل، وبنيات تحتية تستجيب للمعايير الدولية، ودبلوماسية مؤثرة، وأمن شامل يضمن الاستقرار الداخلي ويعزز الثقة الخارجية. ومن ثم، جاءت مختلف المبادرات الملكية منسجمة داخل رؤية استراتيجية متكاملة، حيث يخدم كل مشروع مشروعًا آخر، وتتفاعل مختلف السياسات العمومية في إطار وحدة الهدف وتكامل الوسائل.

 

ومن الثابت أن المغرب، خلال سبعة وعشرين عامًا، عرف تحولًا عميقًا في بنية الدولة ومفهوم التنمية، إذ انتقل من منطق معالجة الاختلالات الظرفية إلى منطق بناء المشاريع الهيكلية الكبرى، التي تستهدف تحقيق أثر مستدام على الاقتصاد والمجتمع والمجال الترابي. ولذلك شهدت المملكة إطلاق برامج وطنية ضخمة في مجالات الطرق السيارة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، والطاقات المتجددة، والمناطق الصناعية، والرقمنة، والتجهيزات الرياضية، بما جعل البنية التحتية المغربية إحدى أكثر البنيات تطورًا على المستوى الإفريقي.

 

وعلى المستوى المؤسساتي، قاد جلالة الملك مسارًا إصلاحيًا عزز البناء الديمقراطي، ورسخ مكانة المؤسسات الدستورية، ووسع مجالات الحقوق والحريات، وأرسى دعائم الجهوية المتقدمة باعتبارها رافعة للتنمية الترابية، وآلية لتقريب القرار العمومي من المواطنين، وأداة لتوزيع أكثر عدالة للثروة والاختصاصات. وقد انعكس ذلك في تعزيز فعالية المؤسسات، وتطوير آليات الحكامة، وتكريس مبادئ الشفافية والنجاعة، بما جعل الإدارة المغربية تدخل تدريجيًا مرحلة جديدة قوامها تحديث الخدمات، وتبسيط المساطر، وتسريع التحول الرقمي.

 

أما على مستوى السيادة الوطنية، فقد حققت المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مكاسب استراتيجية غير مسبوقة، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات نوعية عززت وجاهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي. كما أسهمت الدينامية الدبلوماسية التي يقودها جلالة الملك في توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وافتتاح العديد من القنصليات بمدينة العيون والداخلة، الأمر الذي يعكس التحول العميق الذي عرفه هذا الملف على الصعيد الدولي، ويؤكد نجاح الرؤية الملكية القائمة على الجمع بين قوة الدبلوماسية، ومتانة الشرعية التاريخية، وفعالية التنمية الميدانية.

 

… تابع

 

 

 

وإذا كانت قضية الوحدة الترابية تمثل جوهر الثوابت الوطنية، فإن الحكامة الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، جعلت من الدبلوماسية المغربية إحدى أكثر الدبلوماسيات دينامية وتأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي. فقد انتقلت السياسة الخارجية للمملكة من منطق التفاعل مع الأحداث إلى منطق المبادرة وصناعة المبادرات، وهو ما تجسد في تنويع الشراكات الاستراتيجية مع مختلف القوى الدولية، وتعزيز الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية، وترسيخ التعاون جنوب–جنوب باعتباره خيارًا استراتيجيًا يعكس العمق الإفريقي للمملكة، ويكرس مكانتها باعتبارها شريكًا موثوقًا في تحقيق التنمية والاستقرار.

 

 

 

ومن هذا المنطلق، برزت المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي باعتبارها مشروعًا جيوسياسيًا وتنمويًا غير مسبوق، يعكس رؤية ملكية تستشرف مستقبل القارة الإفريقية، وتؤمن بأن التنمية الاقتصادية والاندماج الإقليمي يشكلان المدخل الحقيقي لترسيخ الأمن والاستقرار. فهذه المبادرة لا تقتصر على إنشاء ممرات لوجستية أو بنى تحتية، وإنما تؤسس لفلسفة جديدة في التعاون الإفريقي، قوامها تقاسم الفرص وتعزيز التكامل الاقتصادي وفتح آفاق التنمية أمام شعوب المنطقة.

 

 

 

وفي المجال الاقتصادي، تمكن المغرب، بفضل الرؤية الملكية، من بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود أمام الأزمات الدولية. فقد شهدت المملكة إطلاق مناطق صناعية كبرى، واستقطاب استثمارات نوعية في قطاعات صناعة السيارات والطيران والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب تطوير الموانئ والمنصات اللوجستية، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح أحد أهم الموانئ العالمية، بما عزز مكانة المغرب بوصفه منصة اقتصادية تربط إفريقيا بأوروبا والعالم.

 

 

 

كما أولى جلالة الملك أهمية خاصة للاستثمار باعتباره قاطرة للنمو ورافعة للتشغيل، فتم اعتماد إصلاحات تشريعية ومؤسساتية تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحفيز المبادرة الخاصة، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني، وهو ما انعكس في ارتفاع ثقة المستثمرين الدوليين، وتزايد حضور كبريات الشركات العالمية داخل المملكة.

 

 

 

وعلى المستوى الاجتماعي، رسخت القيادة الملكية مفهوم الدولة الاجتماعية باعتباره أحد أعمدة النموذج التنموي المغربي، حيث شهدت المملكة إطلاق ورش الحماية الاجتماعية، وتعميم التأمين الإجباري عن المرض، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح المنظومة الصحية، والارتقاء بقطاع التعليم، وإطلاق برامج لمحاربة الهشاشة والفقر والإقصاء، إيمانًا بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن العدالة الاجتماعية تشكل أساس الاستقرار والتماسك الوطني.

 

 

 

وفي قطاع البنيات التحتية، استطاع المغرب أن يشيد شبكة متطورة من الطرق السيارة، والطرق السريعة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، والمنشآت المائية، الأمر الذي أسهم في تقليص الفوارق المجالية، وربط مختلف جهات المملكة، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني. كما شكل القطار فائق السرعة عنوانًا لقدرة المغرب على إنجاز مشاريع كبرى وفق المعايير الدولية، بما يعكس الثقة في الكفاءات الوطنية، والرغبة في الانتقال إلى اقتصاد أكثر تنافسية.

 

 

 

أما في مجال الطاقات المتجددة، فقد رسخ المغرب مكانته ضمن الدول الرائدة عالميًا في الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية، مستندًا إلى رؤية ملكية استباقية جعلت من الأمن الطاقي والانتقال الأخضر خيارًا استراتيجيًا، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال التنمية المستدامة ومواجهة التغيرات المناخية.

 

 

 

ولم تغب الرقمنة عن هذه الرؤية الشاملة، حيث أصبحت الإدارة الرقمية، والخدمات الإلكترونية، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية التكنولوجية، من أبرز مكونات الحكامة الاستراتيجية الحديثة، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز الشفافية، وتقريب الإدارة من المواطن، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني في عصر الاقتصاد الرقمي.

 

 

 

وفي المجال الرياضي، تمكن المغرب من تحقيق إنجازات تاريخية توجت باختيار المملكة، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لاحتضان كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، وهو استحقاق يعكس الثقة الدولية في قدرة المغرب على تنظيم أكبر التظاهرات العالمية، ويؤكد أن ما تحقق من بنيات تحتية ومنشآت رياضية ومطارات وشبكات نقل لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت الرياضة رافعة للتنمية الاقتصادية والإشعاع الحضاري.

 

 

 

وبعد سبعة وعشرين عامًا من العطاء المتواصل، تتجلى معالم تجربة مغربية متفردة، قوامها الاستمرارية في الإصلاح، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، والرهان الدائم على الإنسان والمؤسسات والتنمية. وقد أثبتت هذه المسيرة أن الحكامة الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أصبحت مدرسة قائمة الذات في تدبير الدولة، تجمع بين الرؤية الاستشرافية، والنجاعة المؤسساتية، والسيادة الوطنية، والانفتاح الدولي، بما جعل المغرب اليوم أكثر قوة، وأكثر حضورًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة رهانات المستقبل.

 

 

 

إن سبعةً وعشرين عامًا من القيادة الرشيدة تؤكد أن المغرب اختار طريق البناء الهادئ والإصلاح المتدرج والتنمية المستدامة، وأن هذا الاختيار الاستراتيجي مكّن المملكة من ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، وشريك دولي موثوق، ونموذج إفريقي في الاستقرار والإصلاح. ومن المؤكد أن ما تحقق خلال هذه المسيرة يشكل أساسًا متينًا لمواصلة بناء مغرب المستقبل، في ظل القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من الحكامة الاستراتيجية منهجًا للدولة، ومن خدمة الوطن والمواطن بوصلةً لكل مشروع، ليواصل المغرب بثقة وعزم ترسيخ حضوره بين الأمم، متمسكًا بثوابته، ومعتزًا بهويته، ومنفتحًا على آفاق القرن الحادي والعشرين.