الأحداث الوطنية|أقلام حرة

من المخطط الأخضر إلى الجيل الأخضر.. هل استفاد المواطن المغربي فعلاً من أكبر ورش فلاحي في تاريخ المملكة؟

Screenshot_20260604-123549

 

سعيد الطهاري:الأحداث الوطنية

خلال متابعتي لحلقة برنامج “ساعة الصراحة” التي استضافت السيد محمد الشوكي، شدني الحديث عن حصيلة عدد من الأوراش الحكومية والقطاعية، وهو ما دفعني إلى العودة إلى واحد من أكبر المشاريع التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، ويتعلق الأمر بمخطط المغرب الأخضر واستراتيجية الجيل الأخضر. وبين لغة الأرقام الرسمية وواقع الأسواق، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل استطاع المواطن المغربي أن يجني فعلاً ثمار هذه الاستراتيجيات الفلاحية أم أن المستفيد الأكبر كان غيره؟
عندما أطلق المغرب سنة 2008 مخطط المغرب الأخضر، تم تقديمه باعتباره ثورة حقيقية في القطاع الفلاحي، قادرة على تحويل الفلاحة إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد رُصدت لهذا الورش استثمارات ضخمة، وتم إطلاق برامج متعددة لتحديث وسائل الإنتاج وتطوير سلاسل التوزيع وتحسين مردودية القطاع.
ولا يمكن إنكار أن المخطط الأخضر حقق نتائج مهمة على مستوى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فقد ارتفعت الصادرات الفلاحية بشكل ملحوظ، وتوسعت الزراعات الموجهة للأسواق الخارجية، كما شهدت العديد من المنتجات المغربية حضوراً قوياً داخل الأسواق الأوروبية والإفريقية. كما ساهمت الاستثمارات المنجزة في تحديث جزء من البنيات الفلاحية وتطوير تقنيات السقي والإنتاج.
غير أن الوجه الآخر للحصيلة يطرح أسئلة حقيقية حول المستفيد الفعلي من هذه الإنجازات. فبينما كانت التقارير الرسمية تتحدث عن أرقام قياسية في الإنتاج والصادرات، كان المواطن المغربي يواجه بشكل متواصل ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم والأسماك، حتى أصبحت القدرة الشرائية للأسر تتآكل سنة بعد أخرى.
ومن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى مخطط المغرب الأخضر أنه ركز بشكل كبير على الفلاحة التصديرية ذات القيمة المضافة المرتفعة، أكثر من تركيزه على تحقيق الأمن الغذائي الوطني. فالمغرب الذي أصبح يصدر كميات مهمة من المنتجات الفلاحية، ظل في المقابل يستورد مواد أساسية تدخل في الاستهلاك اليومي للمغاربة، وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون عن مدى نجاح المخطط في تحقيق الاكتفاء الغذائي.
كما يرى عدد من المتتبعين أن الدعم العمومي لم يصل دائماً إلى الفلاحين الصغار بالشكل المطلوب، وأن المستفيد الأكبر من بعض برامج الدعم كانوا كبار المستثمرين والضيعات الكبرى التي تتوفر أصلاً على إمكانيات مالية ولوجستيكية مهمة. أما الفلاح البسيط فقد ظل يواجه إكراهات التمويل والتسويق والجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ومن بين الانتقادات التي لا تقل أهمية، تلك المتعلقة بالموارد المائية. فقد شجعت السياسات الفلاحية التوسع في بعض الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، في وقت أصبحت فيه المملكة تعيش على وقع إجهاد مائي متزايد بسبب توالي سنوات الجفاف وتراجع المخزون المائي الوطني.
ومع إطلاق استراتيجية الجيل الأخضر سنة 2020، سعت الدولة إلى تصحيح عدد من الاختلالات من خلال التركيز على العنصر البشري وإحداث طبقة وسطى فلاحية وتشجيع الشباب على ولوج القطاع. كما رفعت الاستراتيجية شعارات مرتبطة بالاستدامة والابتكار والرقمنة وتحسين ظروف العيش بالعالم القروي.
غير أن هذه المرحلة الجديدة جاءت في ظرفية صعبة اتسمت بتوالي سنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والأعلاف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار داخل الأسواق الوطنية.
ورغم الطموحات المعلنة، ما زال المواطن المغربي يتساءل عن موقعه ضمن هذه الاستراتيجية الجديدة. فأسعار المواد الغذائية لا تزال تشكل عبئاً متزايداً على الأسر، كما أن الفجوة بين سعر البيع عند المنتج وسعر الشراء عند المستهلك ما زالت تثير الكثير من الجدل بسبب هيمنة الوسطاء والمضاربين على عدد من مسالك التوزيع.
إن المواطن البسيط لا يقيس نجاح السياسات العمومية بحجم الصادرات أو قيمة الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل يقيسها من خلال ما يلمسه في حياته اليومية. فإذا كانت الفلاحة المغربية قد حققت نجاحات مهمة على مستوى التصدير وجلب العملة الصعبة، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً بقوة هو: لماذا لم ينعكس ذلك بشكل واضح على استقرار أسعار المواد الغذائية وتحسين القدرة الشرائية للمغاربة؟
وبعد ما يقارب ثمانية عشر عاماً من إطلاق المخطط الأخضر وست سنوات من تنزيل الجيل الأخضر، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن فقط في رفع الإنتاج أو زيادة الصادرات، بل في بناء نموذج فلاحي يحقق التوازن بين متطلبات السوق الخارجية واحتياجات السوق الوطنية، ويحمي الموارد المائية، ويضمن للفلاح الصغير مكانته داخل المنظومة، ويجعل المواطن المغربي أول المستفيدين من الثروة الفلاحية لبلاده.
ففي نهاية المطاف، لا يمكن لأي استراتيجية أن تحقق نجاحها الكامل إذا بقي المواطن يتابع أرقام الإنجازات من جهة، ويعاني من غلاء الأسعار من جهة أخرى. وبين المخطط الأخضر والجيل الأخضر، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل النجاح الاقتصادي إلى أثر اجتماعي ملموس يشعر به كل مغربي على مائدته وفي قدرته الشرائية وفي أمنه الغذائي.