أصبحت الجامعة في الزمن المعاصر بنية سيادية لإنتاج الذكاء الجماعي، ومجالا استراتيجيا لتوليد الرساميل المعرفية وتوجيه التحولات المجتمعية والاقتصادية، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية المرتبطة بالتلقين وإعادة إنتاج المعارف الكلاسيكية. لذلك، فإن الجامعات الكبرى لم تعد تقاس فقط بحجم بنياتها أو كثافتها الطلابية، وإنما بقدرتها على هندسة النجاعة المؤسساتية، وتشييد منظومات تدبيرية مرنة، وصناعة بيئات أكاديمية عالية الجاذبية وقابلة للتموقع داخل خرائط التنافس الجامعي الدولي.
وفي هذا السياق المتحول، تواصل جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء تثبيت موقعها كقوة أكاديمية ضاربة داخل المشهد الجامعي المغربي، باعتبارها مؤسسة تمتلك ثقلا علميا وتنظيميا وبيداغوجيا يجعلها أقرب إلى مجمع معرفي متعدد الوظائف، تتحرك داخله آليات التكوين والبحث والابتكار وفق دينامية مؤسساتية متقدمة. لقد أصبحت الجامعة فضاء لإعادة تشكيل الوعي الأكاديمي الحديث، ومنصة لتخليق الكفاءات، وإعادة إنتاج النخب العلمية القادرة على الاندماج داخل اقتصاد المعرفة والتحولات الرقمية المتسارعة.
ومن الثابت أن هذا الامتداد المؤسساتي لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتاج رؤية تدبيرية قائمة على عقلنة الموارد، وتجويد الحكامة، وإرساء أنماط جديدة من القيادة الجامعية المبنية على الاستشراف والتخطيط النسقي والتدبير التحويلي. فالجامعة، بما تضمه من مؤسسات ومسالك ومختبرات ومراكز بحث ومنصات ابتكار، تحولت إلى منظومة تشغيل معرفي متكاملة، تشتغل وفق مقاربات التدبير المتعدد المستويات، وربط الأداء بالمردودية، وربط التكوين بالجدوى المجتمعية والاقتصادية.
كما أن المؤشرات الرقمية التي تحققها الجامعة تكشف حجم القوة التنظيمية التي أصبحت تمتلكها، سواء من حيث قدرتها الاستيعابية أو من حيث إنتاجها العلمي والبحثي. فاستقبال عشرات الآلاف من الطلبة سنويا، وتأطيرهم عبر آلاف الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية، يفرض وجود بنية تدبيرية عالية الانضباط، قائمة على الضبط المؤسساتي، والتنسيق الوظيفي، واليقظة الإدارية، والتدبير الذكي لتدفقات الموارد البشرية والمعرفية.
وعلاوة على ذلك، فإن الجامعة استطاعت بناء عرض بيداغوجي متشعب ومتجدد، يقوم على هندسة تكوينية تستجيب لتحولات السوق المعرفية الدولية، عبر مسالك أكاديمية ومهنية ومتخصصة تراهن على التمكين المهاري، والتأهيل الوظيفي، وإنتاج الكفاءات القادرة على التفاعل مع اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي والمهن المستقبلية. وهو ما جعل الجامعة تتحول من فضاء للتعليم الكلاسيكي إلى حاضنة استراتيجية للرأسمال اللامادي.
وفي قلب هذه الدينامية المتصاعدة، يبرز الحضور التدبيري والعلمي للأستاذة فاطمة الزهراء العلمي داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، باعتبارها إحدى الكفاءات الجامعية التي نجحت في ترسيخ نموذج للحكامة الأكاديمية الرصينة، يقوم على التدبير الاستباقي، والتخطيط التشاركي، والتوجيه المؤسساتي القائم على النجاعة والمرونة والتحديث المستمر.
لقد استطاعت العميدة فاطمة الزهراء العلمي أن تؤسس داخل الكلية ثقافة تدبيرية جديدة، ترتكز على ما يمكن تسميته بـ”الإدارة الأكاديمية الذكية”، وهي مقاربة تقوم على تقوية الانسيابية الإدارية، وتسريع المساطر، وتحسين جودة الخدمات الجامعية، وإعادة هيكلة آليات الاشتغال الداخلي وفق منطق الفعالية المؤسساتية والاقتصاد التدبيري للزمن الجامعي. كما اعتمدت رؤية قائمة على الحوكمة التفاعلية التي تجعل مختلف الفاعلين داخل المؤسسة جزءا من عملية البناء والتطوير واتخاذ القرار.
ومن المؤكد أن التحولات التي شهدتها كلية عين الشق خلال السنوات الأخيرة تعكس وجود إرادة مؤسساتية لتحديث البنية التدبيرية والبيداغوجية، حيث برز توجه واضح نحو تكريس الجودة الشمولية، وتفعيل مؤشرات الأداء الأكاديمي، وتعزيز ثقافة التقييم والتتبع والتقويم المؤسساتي. كما تم الاشتغال على تطوير المناخ الجامعي الداخلي عبر دعم المقاربات التواصلية، وتحفيز الكفاءات، وإعادة الاعتبار للرأسمال البشري باعتباره المحرك الحقيقي لأي تحول مؤسساتي ناجح.
كما أن المقاربة التي تعتمدها العميدة تنطلق من تصور يعتبر أن الجامعة الحديثة لا يمكن أن تحقق إشعاعها دون امتلاك “سيادة معرفية” قائمة على قوة البحث العلمي وجودة الإنتاج الأكاديمي. لذلك، تم تعزيز دينامية المختبرات العلمية، وتشجيع النشر الأكاديمي، والانخراط في المشاريع البحثية والشراكات العلمية، مع العمل على خلق بيئة جامعية محفزة على الابتكار والاجتهاد والتنافس العلمي المنتج.
ومن جهة أخرى، فإن ما يميز فلسفة التسيير داخل كلية عين الشق هو الانتقال من التدبير الإداري الجامد إلى التدبير الاستراتيجي المرن، القائم على الاستشراف والتوقع وإدارة التحولات. وهو ما جعل المؤسسة تتحرك وفق منطق “الجامعة المتفاعلة” القادرة على التكيف مع التحولات المجتمعية والاقتصادية والتكنولوجية، دون فقدان هويتها الأكاديمية والعلمية.
كما برز داخل المؤسسة توجه واضح نحو ترسيخ ما يمكن وصفه بـ”الذكاء المؤسساتي الجماعي”، من خلال تعزيز التنسيق بين مختلف المكونات البيداغوجية والإدارية والعلمية، وربط المسؤولية بالمردودية، وإرساء ثقافة الأداء المنتج، والرفع من مؤشرات الفعالية التنظيمية. وهي كلها عناصر جعلت الكلية تتحول إلى فضاء أكاديمي تتحرك داخله الحكامة بمنطق النسق المتكامل، لا بمنطق التدبير المعزول أو الارتجالي.
إن التجربة التي تقدمها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ومعها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، تؤكد أن الجامعة المغربية أصبحت قادرة على إنتاج نماذج تدبيرية متقدمة، تقوم على الجودة المؤسساتية، والتأهيل التنظيمي، والتحديث الوظيفي، والتنافسية الأكاديمية. كما أن الحضور القيادي للأستاذة فاطمة الزهراء العلمي يعكس نموذجا للقيادة الجامعية التي تجمع بين الصرامة التدبيرية والوعي الاستراتيجي والقدرة على صناعة التوازن بين متطلبات الإدارة الحديثة وروح المؤسسة الأكاديمية.
وهكذا، تواصل جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء إعادة تشكيل موقعها داخل الخريطة الجامعية الوطنية والدولية، باعتبارها مؤسسة تنتج المعرفة، وتصوغ الكفاءات، وتعيد بناء مفهوم الجامعة المغربية الحديثة وفق منطق الحكامة الرشيدة، والسيادة المعرفية، والتميز المؤسساتي المستدام.

