سعيد الطهاري: الأحداث الوطنية
في خطوة تعكس تشدد القضاء المغربي في مواجهة جرائم التزوير، أصدرت هيئة قضائية بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، برئاسة القاضي علي الطرشي، أحكاماً وُصفت بالقوية في ملف جنائي ثقيل يرتبط بما بات يُعرف بـ“مافيا التزوير العقاري”، وذلك عقب تورط عدد من الأسماء البارزة داخل منظومة المحافظة العقارية.
القضية، التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل الأوساط القانونية والعقارية، كشفت عن شبكة متخصصة في تزوير وثائق رسمية، مستهدفة حقوق الملكية ومهددة بشكل مباشر أمن المعاملات والاستثمار. وبعد إسقاط كافة الدفوع الشكلية، انتقلت المحكمة إلى جوهر الملف، لتخلص إلى إدانة المتهمين بتهم ثقيلة تتعلق بالتزوير واستعماله في وثائق رسمية ذات طابع عقاري.
وفي هذا السياق، قضت المحكمة في حق أحد أبرز المتهمين، الذي كان يشغل منصباً داخل المحافظة العقارية، بست سنوات حبسا نافذاً، مرفوقة بغرامة مالية بلغت 120 ألف درهم، مع تحميله الصائر وتفعيل الإكراه البدني في حدوده القانونية. كما شملت الأحكام مدانين آخرين، من بينهم منعش عقاري ووسيط، حيث حُكم على كل واحد منهما بأربع سنوات حبسا نافذاً وغرامة قدرها 100 ألف درهم، مع نفس التبعات القانونية المرتبطة بالمصاريف والإكراه البدني.
ورغم صرامة الأحكام، قررت المحكمة استثناء بعض المتهمين من إتلاف الوثائق المزورة، وفق ما ورد في منطوق الحكم، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات قانونية متعددة بشأن حيثيات هذا القرار وانعكاساته على المسار القضائي للقضية.
وعلى المستوى المدني، قبلت المحكمة الطلبات شكلاً، وأقرت بتعويض مدني تضامني قدره مليون درهم لفائدة الطرف المدني، مع تحميل المدانين المصاريف، في خطوة تؤكد الاعتراف بحجم الضرر الذي لحق بالضحايا نتيجة هذه الأفعال الإجرامية.
هذا الملف، الذي وصفه متتبعون بـ“الزلزال” داخل قطاع العقار، يسلط الضوء مجدداً على خطورة شبكات التزوير وتأثيرها العميق على مناخ الثقة في المعاملات، خاصة في قطاع يعتبر من ركائز الاقتصاد الوطني. كما يعكس، في المقابل، إرادة قضائية واضحة في التصدي الحازم لهذه الممارسات، عبر أحكام زجرية تحمل رسائل قوية لكل من تسوّل له نفسه العبث بالوثائق الرسمية وحقوق الملكية.
إن هذه الأحكام لا تقف عند حدود معاقبة المتورطين، بل تتجاوز ذلك لتؤكد أن حماية الأمن العقاري أصبحت أولوية قصوى، وأن القضاء ماضٍ في ترسيخ دولة القانون، عبر التصدي لكل أشكال التلاعب التي تهدد الاستقرار القانوني والاستثماري بالمملكة.

