بقلم/ سيداتي بيدا
ليست كل المبادرات العمومية مجرد إعلان إداري يعلَّق على جدار مؤسسة، فبعضها يحمل في طياته ملامح تحول اقتصادي حقيقي، ويؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها الاستثمار في الأرض استثماراً في الإنسان والإنتاج والاستقرار. ومن هذا المنطلق، يأتي إعلان المديرية الإقليمية للفلاحة بالسمارة عن فتح باب إبداء الاهتمام لاستغلال عقارات فلاحية بالمدار السقوي عين النخلة بجماعة سيدي أحمد العروسي، في خطوة تتجاوز منطق توزيع العقار إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على صناعة الثروة المحلية.
فالرهان اليوم لم يعد مرتبطاً بامتلاك الأراضي، وإنما بحسن توظيفها، وتحويلها إلى فضاءات للإنتاج والتنمية. ولهذا اختارت الإدارة الفلاحية أن تضع هذه العقارات رهن إشارة التعاونيات المحلية النشيطة في الزراعات العلفية وتربية الماشية، في رؤية تستهدف رفع الإنتاج، وتعزيز الأمن العلفي، وإرساء نموذج فلاحي أكثر كفاءة واستدامة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه مربي الماشية، وعلى رأسها ارتفاع كلفة الأعلاف وتأثير التقلبات المناخية على المنظومة الرعوية. لذلك فإن تخصيص استغلاليات مجهزة بنظام السقي بالتنقيط، تمتد كل واحدة منها على مساحة 2.5 هكتار، يمثل انتقالاً من سياسة الدعم الظرفي إلى سياسة إنتاج الموارد، وهي المقاربة التي أثبتت فعاليتها في بناء اقتصاد فلاحي أقل هشاشة وأكثر قدرة على الصمود.
ولم تغفل المديرية الإقليمية للفلاحة جانب الحكامة، إذ وضعت معايير دقيقة للاستفادة، تقوم على سلامة الوضعية القانونية للتعاونيات، وارتباط مؤسسيها ومنخرطيها بالإقليم، وممارستها الفعلية لأنشطة الزراعات العلفية أو تربية الماشية، مع منح الأولوية للتعاونيات التي لم يسبق لها الاستفادة من مشاريع ممولة من القطاع الفلاحي. وهي شروط تعكس إرادة واضحة في توجيه الدعم نحو الفاعلين الحقيقيين، بعيداً عن منطق الريع أو الاحتكار.
إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في عدد الهكتارات المخصصة، بل في الرسالة التي يحملها، ومفادها أن التنمية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بخلق أدوات إنتاج تمنح الفاعلين المحليين القدرة على صناعة مستقبلهم بأنفسهم. فالتعاونيات لم تعد مجرد إطار تنظيمي، بل أصبحت ركيزة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ووسيلة فعالة لتثمين الموارد الطبيعية وتحويلها إلى فرص للتشغيل وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي وقت تتجه فيه السياسات العمومية إلى تعزيز السيادة الغذائية ورفع تنافسية القطاع الفلاحي، تبدو هذه المبادرة نموذجاً عملياً لفلسفة تنموية جديدة، قوامها الاستثمار المنتج، والعدالة في الولوج إلى الموارد وربط الدعم بالمردودية
انها رسالة واضحة بان الارض لا تمنح قيمتها لمن يمتلكها بل لمن يحسن استثمارها وان مستقبل الفلاحة في الأقاليم الجنوبية لن تصنعه الإمكانات وحدها ،وأنما تصنعه الإرادة والكفاءة وحسن التدبير والعروسة الاستراتيجية التي تجعل من كل هكتار مشروعا للتنمية ومن كل تعاونية شريكا في بناء اقتصاد محلي اكثر قوة واستدامة.

