بقلم/ سيداتي بيدا
في سياق نقاش وطني متجدد حول الحق في الصحة، أصدر المرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان مكتب المملكة المغربية
تقريراً أولياً يسلط الضوء على إشكالية تسعير الأدوية، باعتبارها أحد أعقد التحديات المرتبطة بتفعيل الحق الدستوري في العلاج والولوج العادل إلى الخدمات الصحية.
ويؤكد التقرير أن الحق في الصحة والعلاج، كما نص عليه دستور 2011 في فصله 31، يضع الدولة أمام التزام واضح بتعبئة كل الوسائل لضمان استفادة المواطنات والمواطنين من العلاج على قدم المساواة. غير أن واقع سوق الدواء يطرح، وفق المعطيات المثارة، أسئلة حادة حول نجاعة منظومة التسعير ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أن الإطار القانوني المنظم للقطاع، بما في ذلك قوانين حماية المستهلك، وحرية الأسعار والمنافسة، ومجلس المنافسة، إضافة إلى النصوص التنظيمية المؤطرة لتحديد أسعار الأدوية، يوفر أرضية متقدمة من الناحية المعيارية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في فعالية التنزيل وآليات المراقبة والتقنين.
ويرصد التقرير استمرار تسجيل تفاوتات في أسعار عدد من الأدوية مقارنة بدول أخرى، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف العلاج وتزايد الاعتماد على التغطية الصحية في مرحلة انتقالية تعرفها المنظومة الصحية الوطنية.
كما يحذر من الانعكاسات الاجتماعية لهذا الوضع، المتمثلة في صعوبة الولوج إلى العلاج، أو التوقف عن استكماله، بما يهدد مبدأ المساواة الصحية ويعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية، في تعارض مع روح الدستور الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة ويؤسس لدولة اجتماعية قائمة على الإنصاف.
ويحمّل التقرير مختلف الفاعلين المؤسساتيين مسؤولية مشتركة في هذا الملف، وفي مقدمتهم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ومجلس المنافسة، والمؤسسات المكلفة بالتأمين الصحي، داعياً إلى تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار ونشر المعطيات المرتبطة بهوامش الربح وآليات التسعير.
وفي هذا السياق، يدعو المرصد إلى إطلاق تقييم وطني شامل لمنظومة الدواء، ودعم الصناعة الدوائية الوطنية، وتشجيع الأدوية الجنيسة، ومراجعة آليات التسعير بما يضمن التوازن بين استدامة القطاع وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
ويخلص التقرير إلى أن الحق في الدواء ليس امتيازاً اقتصادياً، بل هو حق إنساني ودستوري مرتبط مباشرة بالحق في الحياة والكرامة، وأن أي إصلاح مرتقب لن يكون ذا معنى ما لم يضع المواطن في صلب السياسات الصحية ،انسجاما مع التوجه نحو ترسيخ الدولة الاجتماعية التي تجعل من العدالة الصحية معيارا لنجاحها ومصداقيتها.

