الأحداث الوطنية|الأخبارالدولية

جمعية الشركات الجنائزية الفرنسية-المغربية… نموذج في خدمة الإنسان حتى آخر الرحلة

IMG-20260626-WA0095

مصطفى قبلاني /باريس.

حين يغيب الكلام أمام فاجعة الفقد، لا يبقى إلا فعل يخفف الوطأة ويصون الكرامة. من هذا الفهم العميق ولدت جمعية الشركات الجنائزية الفرنسية-المغربية، لتكون أكثر من إطار مهني يجمع فاعلين في قطاع حساس. هي رسالة إنسانية تقول لأبناء الجالية المغربية بالمهجر: لحظة الوداع الأخيرة تستحق منا كل الرحمة، وكل التنظيم، وكل الاحترام.

 

ما يميز هذه الجمعية أنها دخلت من الباب الأصعب. اقتحمت مجالاً يتهيب منه الكثيرون، لأن الحديث فيه يلامس أعمق أوجاع الإنسان. لكنها اختارت أن تواجه لا أن تتهرب، وأن تنظم لا أن تترك الأمور للصدفة. أدركت منذ البداية أن العائلات المغربية المقيمة خارج الوطن لا تبحث فقط عن خدمة سريعة، بل تبحث عن يد ممدودة تفهم معنى الغربة، وتختصر المسافة النفسية بين مكان الرحيل ومثواه الأخير. تبحث عن مرافقة حقيقية تحول الإجراء البارد إلى مسار واضح ومفهوم ومطمئن.

 

قوة الجمعية في أنها وضعت الإنسان قبل كل شيء. آمنت أن الدقة والسرعة لا تتعارضان مع الرحمة، وأن الاحتراف لا يلغي الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. فجمعت تحت مظلتها عشرات المؤسسات المتخصصة، وحدت الجهود، ونسقت الأدوار، وبنت نموذجاً يقوم على معايير مشتركة وأخلاقيات مهنية صارمة. نموذج هدفه الأول أن تمر اللحظة الأخيرة بسكينة، وأن يحفظ للراحل قدره، وللأهل طمأنينتهم.

 

لهذه المبادرة بعد رمزي عميق لدى الجالية المغربية. فالعودة إلى أرض الوطن عند الرحيل ليست مجرد رغبة، بل هي تعبير عن انتماء لا يشيخ، وعن وفاء لا ينقطع. الجمعية فهمت هذه الرسالة جيداً، فاشتغلت على أن يكون التنظيم الجيد وجهاً من أوجه البر بالراحل. كل خطوة مختصرة، كل تعقيد مزال، كل ارتباك مخف، هو في جوهره حفظ للصلة التي تجمع الإنسان بجذوره ومجتمعه حتى بعد الموت.

 

شجاعة الجمعية أنها فتحت حواراً حول موضوع ظل طويلاً في الظل، رغم أهميته وحساسيته. حولت الخدمة المهنية إلى تضامن اجتماعي، وجعلت من مهمتها جسراً يربط بين ضفتين. في زمن تتوسع فيه الجاليات المغربية وتزداد فيه تحديات الترحال، تصبح مثل هذه المبادرات ضرورة. تذكير بأن العناية بالإنسان لا تتوقف عند آخر نفس، وأن كرامة الراحل أمانة في أعناق الأحياء.

 

جمعية الشركات الجنائزية الفرنسية-المغربية تستحق الثناء لأنها اختارت الطريق الأصعب: طريق الجمع بين المهنة والإنسانية. لأنها أثبتت أن حسن التنظيم رحمة عملية، وأن الوقوف بجانب الأسرة المفجوعة شرف لا يُقدر بثمن. هي اليوم مثال يُحتذى في كيفية تحويل وجع مشترك إلى فعل منظم، وكيف يمكن للمهنيين أن يكونوا سنداً حقياً في أصعب المحطات.

 

إنها مبادرة تقول باختصار: كرامة الإنسان تبدأ مع ميلاده، ولا تنتهي برحيله. وهذا وحده كافٍ ليجعل منها عنواناً للثقة، ونموذجاً يُفتخر به داخل المغرب وخارجه.