بقلم/ سيداتي بيدا
لم يعد الجدل في الولايات المتحدة يقتصر على الانتخابات أو السياسات الاقتصادية، بل امتد هذه المرة إلى واحدة من أكثر الوثائق سيادةً ورمزيةً في العالم: جواز السفر الأمريكي. ففي خطوة أثارت موجة واسعة من التساؤلات، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تصميم جديد لجواز سفر خاص بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، في مشهد بدا أقرب إلى حملة رمزية لصناعة الإرث السياسي منه إلى إعلان إداري رسمي.
التصميم الذي نشره ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” جاء محاطاً برموز وطنية كثيفة؛ صفحات مزينة بنص إعلان الاستقلال، زخارف ذهبية، العلم الأمريكي، ولوحات تاريخية تجسد لحظة ميلاد الدولة الأمريكية. غير أن أكثر ما لفت الأنظار لم يكن الجانب الفني، بل الحضور الواضح لتوقيع ترامب ورسائله السياسية، وكأن الوثيقة لم تعد مجرد جواز سفر، بل مساحة لإبراز شخصية الرئيس داخل رمز سيادي يفترض أن يمثل الدولة بكل مؤسساتها، لا شخصاً بعينه.
العبارة التي أرفق بها ترامب التصميم: “أهلاً بكم… لكن التزموا بحسن السلوك”، لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرها كثيرون امتداداً لخطابه السياسي المعروف حول الهجرة والحدود، ورسالة موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد، تؤكد أن الرجل لا يفصل بين الرمزية الوطنية وخطابه الانتخابي.
ورغم أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد أعلنت سابقاً نيتها إصدار نسخة تذكارية محدودة احتفالاً بمرور 250 عاماً على الاستقلال، فإن الغموض ما يزال يحيط بالتصميم الذي نشره ترامب. فلا توجد حتى الآن تأكيدات رسمية بأنه سيكون الشكل النهائي المعتمد، فيما ترجح تقارير إعلامية أنه لا يزال مجرد تصور أولي أو نموذج لم يحسم اعتماده بعد.
هذا الجدل يكشف سؤالاً أكبر من مجرد شكل جواز سفر: إلى أي مدى يمكن للرموز الوطنية أن تتحول إلى أدوات في الصراع السياسي؟ فالدول عادةً تحرص على إبقاء وثائقها السيادية فوق الحسابات الحزبية، لأنها تمثل هوية الأمة واستمرارية مؤسساتها، لا هوية القادة الذين يتعاقبون على السلطة.
وتتزامن هذه الخطوة مع مبادرات رمزية أخرى مرتبطة بالذكرى التاريخية، من بينها مقترحات لإصدار عملة ذهبية تحمل صورة ترامب، ودعم إعادة تسمية مركز كينيدي للفنون ليجمع بين اسمي جون كينيدي ودونالد ترامب، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو ربط الاحتفال الوطني بحضور سياسي شخصي غير مسبوق.
في نهاية المطاف، قد يرى أنصار ترامب في هذه المبادرات احتفاءً بالتاريخ الأمريكي بروح جديدة، بينما يعتبرها منتقدوه محاولة لتسويق الزعامة عبر أكثر الرموز الوطنية قدسية. وبين الرأيين، يبقى السؤال قائماً: هل سيولد الجواز الجديد بوصفه وثيقة رسمية تمثل الولايات المتحدة الأمريكية ام سيظل مجرد مشروع رمزي يعكس طموح رئيس يسعى الى أن يترك بصمته حتى على جواز السفر. ؟

