بقلم عبدالله تخشي
لعبت الهوية دورا محوريا في العملية السياسية والتحديات الاقتصادية والثقافية في مجتمعاتنا طيلة التاريخ الحديث ,حيث أن الاشكالية الذي واجهت الدول العربية منذ البداية هي مسألة الهوية والانتماء بمعنى على أي أساس أيديولوجي وقومي ستتأسس عليه الدول العربية وستبني من خلالها دساتيرها والقوانين ونظمها الاقتصادية والاجتماعية ويحقق من خلاله افراد كل مجتمع عربي أساس انتمائهم ويعتبرونه مصدر هويتهم الموحدة , هل اللغة العربية أم الدين أم الثقافة أم الجغرافيا ,وبالتالي ثم التفكير في إيجاد اطار سياسي وايديولوجي في كل دولة عربية يحتوي على كل الاختلافات والتناقضات ذات أساس لغوي او عرقي او ديني او التي المرتبطة بالقبائل والاختلافات الجهوية والإقليمية والتي توجد في كل قطر من الأقطار العربية ,في المشرق والمغرب معا , فطرحت عدة خيارات أيديولوجية ذات بعد قومي أو ديني أو عسكري محظ أمام الدول والنخب فيها ومن بينها على سبيل المثال “الديموقراطية باعتبارها هي اطار لتبادل التدبير والسلطة بين أحزاب وفئات سياسية ذات أفكار وتوجهات أيدلوجية مختلفة ,ويتم يتم تدبير هذا الاختلافات والحسم فيه بالديموقراطية التي تمكن الشعب من اختيار من يمثله بكل مسؤولية ,وأيضا العلمانية باعتباره خيارا سياسيا مطروحا تأخذ من خلاله الدول العربية نفس المسافة مع كل الجهات الدينية الفاعلة في المجتمع, وبالتالي تحافظ الدول على نفسها واستقرارها أمام الصراعات الدينية وهناك أيضا خيار القومية العربية الذي يتيح للدول والشعوب العربية الاندماج في تحالفات اقتصادية وعسكرية ولغوية تشكل أساس قوتهم وازدهارهم وتعيد لهم كرامتهم ومكانتهم قاريا ودوليا , وفي الحقيقة ليس هناك معيار واحد طبق بشكل احادي في الدول العربية منذ التاريخ الحديث بل هناك خلط بين نماذج كثيرة للهوية والانتماء في كل دولة عربية ,لأن الدول العربية والإسلامية بنيت دساتيرها ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أساس عرقي وديني وفكري ولغوي معا وليس هناك الاكتفاء بعنصر واحد فقط مما يعطي الانطباع بوجود خصوصية عربية معقدة رسمها التاريخ والظروف المتعددة وخاصة التي طبعت المراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية من الحرب الباردة ونظام القطبية الواحد الذي سيطرت الولايات المتحدة من خلالها على العالم وأحداث سياسية أحدثت تغيرات وتحولات في المشهد السياسي العربي مثلا الربيع العربي .
ولتوضيح فكرتنا حول ما طرحنه سلفا نطرح هنا مجموعة من الأمثلة الحية في الواقع العربي مثلا في الدول العربية في المشرق والمغرب معا نرى ان هناك نوع من مواكبة للعصر على مستوى الدساتير والتنظيمات والمؤسسات وغيرها لكن مشكلة الاندماج في تحالف عربي قوي لم يحدث بعد الى حدود الساعة بسبب عدم وضوح معالم الهوية وأساس الانتماء المشترك الذي سيخول خلق هذه الوحدة العربية وان كانت تطرح مجموعة من الانتقادات من طرف الكثيرين بحجة انها ايديلوجية قومية ولغوية يتم فيها اقصاء اللغات والقوميات الأخرى داخل كل بلد ,وفي هذا السياق تم خلق الجامعة الدول العربية باعتبارها اطار يجتمع فيه كل الدول العربية لتحقيق مصالحها المشتركة والحفاظ على امنها القومي والحيوي والاستراتيجي والاقتصادي عن طريق خلق تكتل تشد فيه الدول العربية يد بعضها البعض ,في مواجهة الاخطار الخارجية والتهديدات المرتبطة بمحاولة بعض القوى الدولية الكبرى جعل المنطقة الشرق الأوسط مركز نفودها وسيطرتها ,لم تنجح محاولة الدول العربية في توحيد قرارتها وخلق تخالف اقتصادي ونموذج تنموي حضاري في اطار الجامعة الدول العربية ,والتي ظلت الى حدود الساعة مجرد قاعة لانعقاد القمم الفارغة من أي مضمون والخطابات التي تبقى مجرد حبرا على ورق وأكثر من ذلك كون الجامعة الدول العربية هي ليست الية لخلق تحالف عربي يحقق مصالح جميع الدول والمجتمعات المنطقة وانما هي فقط هي الية أساسية للتنافسات الدولية والتنافس بين القوى الإقليمية فمثلا :الجامعة تحولت الى مجرد فضاء يختضن دول إقليمية تعمل لصالح قوى مختلفة مثلا سوريا والعراق مسبقا مع المحور الاشتراكي “روسيا ” ومحور تابع كليا وفي كل التفاصيل الى القوة الغربية “امريكا”
ومع مرور العقود والدول العربية تعرف تطورات جديدة في مختلف المجالات لاسيما في الامن والسياسة والاقتصاد نظرا لأسباب كثيرة من بينها عدم انتاج النموذج الحضاري العربي يشكل أساس الوجود العربي والهوية والانتماء في المجتمعات العربية، والمثال على ذلك الربيع العربي الذي شكل منعطف تاريخي عميقا عرفته الدول العربية مند التاريخ الحديث حيث انعكس على القيم والسلوكات العربية في جميع المجالات وخاصة في الحقل السياسي حيث تغيرت الكثير من القيم والمعاني والمبادئ التي كانت ثابتة لتحل محلها قيم أخرى غريبة ,على سبيل المثال لم تعد مسألة خلق تحالف عربي في اطار الجامعة الدول العربية والقومية أولوية قصوى وانما سعت الدول العربية الى إيجاد تحالفات اقتصادية تحافظ على مصالحها وتعززها حتى ان كانت على حساب مصلحة أحد الدول العربية الأخرى مما أعطى الانطباع لدى الكثيرين بعدم وجود المسألة القومية نهائيا وانما هي شعار ستعين بها بعض نماذج الأنظمة السياسية في احتواء الغضب الشعبي والاستياء من الأوضاع المتردية.

