كنت أحاول إنهاء تقرير بسيط، خمس فقرات لا أكثر، حين لاحظت أنني فتحت هاتفي أربع مرات دون أن أتذكر لماذا. لا رسالة مهمة، لا مكالمة فائتة، فقط تلك الحركة الآلية التي صارت جزءًا من يدي أكثر مما هي قرار واعٍ. جلست بعدها أحسب: كم مرة يحدث هذا في اليوم الواحد؟ الرقم أزعجني أكثر مما توقعت.
نحن لا نفقد التركيز فجأة. نخسره على دفعات صغيرة، إشعار هنا، تنبيه هناك، حتى تصبح القدرة على الجلوس مع فكرة واحدة لأكثر من عشر دقائق أمرًا يحتاج إلى تدريب، لا أمرًا بديهيًا كما كان قبل سنوات قليلة. أتذكر أنني كنت أقرأ رواية كاملة في جلسة واحدة. اليوم أجد صعوبة في إنهاء مقال من صفحتين دون أن أتحقق من الهاتف مرتين على الأقل.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في أن كل تطبيق فيه مصمم، بذكاء شديد، ليجعلنا نعود إليه. الألوان التي تلفت العين، الصوت الخفيف عند وصول رسالة، التمرير الذي لا ينتهي أبدًا مهما طال الوقت. هذه ليست صدفة، بل نتيجة سنوات من الدراسة حول ما يجعل الإنسان يعود، ويعود، ويعود.
والأخطر من ذلك أن التشتت لا يتوقف عند لحظة النظر إلى الشاشة. حين أترك مهمة لأتحقق من رسالة، لا أعود إليها فارغ الذهن. جزء مني يبقى هناك، عالقًا في ما رأيته للتو، وأحتاج دقائق كاملة لأستعيد التركيز الذي كنت فيه. لو تكرر هذا عشرين مرة في اليوم، وهو رقم متواضع لكثيرين، فنحن نتحدث عن ساعات كاملة من التركيز المهدور، لا مجرد لحظات عابرة.
أحد الزملاء أخبرني أنه جرّب إيقاف كل الإشعارات لأسبوع واحد، ما عدا المكالمات. النتيجة، كما قال، لم تكن سحرية، لكنها كانت واضحة: أنهى مشروعًا كان مؤجلًا منذ شهر، ونام بشكل أفضل. لم يشتك أحد من عدم رده السريع. تبين أن معظم ما كان يستجيب له فورًا لم يكن يستحق تلك السرعة أصلًا.
لست هنا لأدعو إلى التخلي عن الهواتف أو العودة إلى زمن ما قبل الإنترنت، فهذا حديث غير واقعي لأحد يعيش في هذا العصر. لكن هناك فرقًا بين استخدام الهاتف وبين أن يستخدمنا الهاتف. الحل الذي وجدته لنفسي بسيطًا: أوقفت الإشعارات غير الضرورية، وخصصت وقتًا محددًا صباحًا ومساءً لفتح الرسائل والتطبيقات، وتركت الباقي. في الأيام الأولى شعرت بقلق غريب، وكأنني سأفوت شيئًا مهمًا. لم يحدث ذلك أبدًا تقريبًا.
الملل، أيضًا، يستحق أن نعيد الاعتبار له. أصبحنا نملأ كل لحظة فراغ بشيء على الشاشة، حتى في طابور الانتظار أو أثناء ركوب المصعد. لكن أفضل الأفكار التي خطرت لي لم تأتِ وأنا أنظر إلى شاشة، بل جاءت في لحظات الفراغ تلك التي توقفنا عن السماح بها لأنفسنا.
استعادة التركيز ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل قرار يومي صغير: متى أعطي انتباهي، ولمن. قرار يبدو تافهًا حين نكتبه على الورق، لكنه في الواقع أحد أهم القرارات التي نتخذها كل يوم دون أن ننتبه لها.
ربما هذا هو جوهر المسألة. لم نفقد القدرة على التركيز العميق، نحن فقط نسينا أننا نملكها. وكل مهارة منسية، مهما طال إهمالها، تعود حين نقرر أن نتدرب عليها من جديد.
عبدالله الحسيني – مدير التحرير

