الأحداث الوطنية|أقلام حرة

المحكمة الرقمية في المغرب: بين التقنين والتحديات

IMG-20260413-WA0109

بقلم: حبيل رشيد  الأحدات الوطنية

لم يعد مرفق العدالة في السياق المغربي محكوماً بإيقاع تقليدي تتنازعه بطء المساطر وتعقيد الإجراءات، بل أضحى منخرطاً في دينامية تحول عميق، تحول تتقاطع فيه رهانات التحديث مع مقتضيات الفعالية، وتتجاذبه اعتبارات الأمن القانوني مع ضرورات الانفتاح على الوسائط التكنولوجية الحديثة… ذلك أن الرقمنة لم تعد خياراً إدارياً عابراً أو ترفاً مؤسساتياً مؤجلاً، وإنما غدت مساراً حتمياً يفرض نفسه بإلحاح متزايد، ويعيد تشكيل البنية المفاهيمية لمرفق القضاء، من حيث وظائفه وآلياته وطرائق اشتغاله، في أفق إرساء عدالة تستجيب لمتطلبات السرعة، وتستوعب ضغط القضايا، وتؤمن للمتقاضي ولوجاً أكثر يسراً ونجاعة.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 باعتباره نصاً تأسيسياً يسعى إلى تقعيد هذا التحول، ليس عبر إدراج تقنيات رقمية معزولة داخل بنية تقليدية، وإنما من خلال إعادة هندسة شاملة لمنظومة التقاضي، على نحو يجعل من الرقمنة دعامة مركزية في تدبير الدعوى القضائية، ويؤسس لانتقال نوعي من منطق الورق إلى منطق البيانات، ومن الحضور المادي إلى التفاعل الافتراضي، ومن الزمن القضائي الممتد إلى زمن إجرائي مكثف ومضبوط… وهو انتقال تتداخل فيه أبعاد قانونية دقيقة مع رهانات تقنية معقدة، بما يفرض مقاربة تحليلية تستحضر التوازن الدقيق بين مقتضيات النجاعة وضمانات المحاكمة العادلة.

إن الحديث عن المحكمة الرقمية لا ينصرف إلى مجرد اعتماد وسائط إلكترونية في إيداع المقالات أو تبليغ الأحكام، بل يتجاوز ذلك نحو تصور جديد للعدالة، تصور يعيد تعريف العلاقة بين القاضي والمتقاضي، ويعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين القضائيين، ويؤسس لفضاء قضائي مغاير، فضاء تتداخل فيه الأنظمة المعلوماتية مع القواعد الإجرائية، وتتقاطع فيه الخوارزميات مع السلطة التقديرية للقاضي، بما يثير تساؤلات جوهرية حول حدود هذا التداخل، وحول مدى قدرة الإطار التشريعي على استيعاب هذه التحولات دون المساس بجوهر الحقوق والحريات.

ومن ثم، فإن إدماج الرقمنة داخل منظومة العدالة يقتضي إعادة النظر في عدد من المبادئ المؤطرة للتقاضي، وفي مقدمتها مبدأ الحضورية، الذي ظل يشكل لسنوات طويلة إحدى الركائز الأساسية للمحاكمة، قبل أن تفرض الجلسات عن بعد تصوراً مغايراً يقوم على الحضور الافتراضي، حضور يتأسس على الاتصال السمعي البصري، ويطرح في الآن ذاته إشكالات دقيقة تتعلق بمدى تحقق المواجهة بين الأطراف، وضمان حقوق الدفاع، وحماية سرية المداولات… وهي إشكالات لا يمكن معالجتها إلا ضمن رؤية تشريعية دقيقة تستحضر خصوصية العمل القضائي وتوازناته الدقيقة.

كما أن إقرار التبليغ الإلكتروني باعتباره وسيلة رسمية لإيصال المقررات القضائية يطرح بدوره تحديات تتصل بمدى تحقق العلم اليقيني، ذلك أن التبليغ في صيغته التقليدية كان يستند إلى معايير مادية واضحة، في حين أن التبليغ الرقمي يفتح المجال أمام فرضيات متعددة تتعلق بسلامة الإرسال، ووصول الرسالة، وإمكانية الاطلاع عليها… وهو ما يستدعي وضع ضوابط تقنية وقانونية دقيقة تضمن حجية هذا التبليغ وتؤمن استقراره.

وفي السياق ذاته، فإن اعتماد التوقيع الإلكتروني للمقررات القضائية يثير تساؤلات حول مدى قوة حجيته في مواجهة التوقيع التقليدي، وحول الضمانات التقنية التي تكفل عدم التلاعب بالمحررات القضائية، خاصة في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالاختراقات الإلكترونية… وهو ما يجعل من الأمن السيبراني عنصراً محورياً في نجاح مشروع المحكمة الرقمية، إذ لا يمكن تصور عدالة رقمية دون بنية معلوماتية مؤمنة، قادرة على حماية المعطيات القضائية من كل اختراق أو تسريب أو تعديل غير مشروع.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود النص القانوني، بل يمتد إلى مستوى التنزيل العملي، حيث تبرز تحديات متعددة تتعلق بالبنية التحتية الرقمية، وبمدى جاهزية المحاكم لتبني هذا النمط الجديد من التدبير، ذلك أن الرقمنة تقتضي توفر تجهيزات متطورة، وشبكات اتصال عالية الجودة، وأنظمة معلوماتية متكاملة، وهو ما يطرح إشكالية التمويل، خاصة في ظل محدودية الموارد، وتعدد الأولويات داخل السياسات العمومية… الأمر الذي يجعل من نجاح هذا المشروع رهيناً بإرادة سياسية واضحة، واستثمار مالي مستدام، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وعلى مستوى آخر، فإن العنصر البشري يظل محدداً حاسماً في هذا التحول، إذ إن أي إصلاح مؤسساتي، مهما بلغت دقته التشريعية، يظل معلقاً بمدى قدرة الفاعلين على استيعابه وتفعيله… ذلك أن القاضي، والمحامي، وكتابة الضبط، والمفوض القضائي، وغيرهم من المتدخلين في العملية القضائية، مطالبون جميعاً باكتساب مهارات رقمية جديدة، والانخراط في ثقافة مؤسساتية مختلفة، تقوم على السرعة والدقة والتفاعل اللحظي… وهي عملية انتقالية معقدة، تتطلب تكويناً مستمراً، وتأطيراً منهجياً، ومواكبة حثيثة، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عائق جديد بدل أن تكون أداة للتيسير.

كما أن مقاومة التغيير تشكل بدورها عاملاً لا يمكن إغفاله، إذ إن التحولات العميقة غالباً ما تواجه بنوع من التحفظ أو التردد، خاصة عندما تمس أنماطاً مستقرة من العمل، أو تعيد توزيع مراكز القوة داخل المؤسسة… وهو ما يفرض اعتماد مقاربة تدريجية، تراعي البعد النفسي للفاعلين، وتعمل على بناء الثقة في الأنظمة الرقمية، عبر ضمان شفافيتها ونجاعتها واستقرارها.

وفي مقابل هذه التحديات، فإن المحكمة الرقمية تفتح آفاقاً واسعة لإعادة بناء الثقة في مرفق العدالة، من خلال تعزيز الشفافية، وتبسيط المساطر، وتقليص آجال البت في القضايا، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات القضائية، وعلى صورة القضاء في الوعي الجماعي… كما أنها تتيح إمكانيات غير مسبوقة في مجال تتبع الملفات، وتحليل المعطيات، وتقييم الأداء، بما يسهم في إرساء حكامة قضائية قائمة على المؤشرات والمعطيات الدقيقة، بدل الانطباعات العامة أو التقديرات التقريبية.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهيناً بمدى انسجام الإطار التشريعي مع التحولات الرقمية، ذلك أن تعدد النصوص، وتباينها، ووجود بعض المقتضيات التقليدية التي لا تنسجم مع منطق الرقمنة، قد يفرغ هذا المشروع من محتواه، أو يحد من فعاليته… ومن ثم، فإن الأمر يقتضي مراجعة شاملة للترسانة القانونية، في اتجاه توحيدها، وتبسيطها، وتكييفها مع متطلبات العصر الرقمي، بما يضمن وضوح القواعد، واستقرارها، وقابليتها للتطبيق.

كما أن البعد الدولي يفرض نفسه بقوة في هذا المجال، خاصة في ما يتعلق بالتعاون القضائي، وتنفيذ الإنابات، وتبادل المعطيات، إذ إن الطابع العابر للحدود للفضاء الرقمي يقتضي تنسيقاً وثيقاً بين الأنظمة القانونية، وتطوير آليات مشتركة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية، وحماية المعطيات، وضمان فعالية الإجراءات القضائية في سياق دولي متشابك… وهو ما يجعل من المحكمة الرقمية جزءاً من منظومة أوسع، تتجاوز الحدود الوطنية، وتستلزم انخراطاً فعالاً في الجهود الدولية ذات الصلة.

وإذا كان المشروع التشريعي قد وضع الأسس الأولية لهذا التحول، فإن المرحلة المقبلة تظل الأكثر حساسية، باعتبارها مرحلة الاختبار الفعلي، حيث تتجلى الفوارق بين النص والتطبيق، وتبرز الإكراهات العملية، وتتحدد ملامح النجاح أو التعثر… وهي مرحلة تتطلب يقظة مستمرة، وتقييماً دورياً، واستعداداً لتعديل المسار كلما اقتضت الضرورة، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة، وتفادي الاختلالات المحتملة.

إن المحكمة الرقمية، في جوهرها، ليست مجرد مشروع تقني، وإنما هي مشروع مجتمعي بامتياز، يعكس تصوراً معيناً للعدالة، ولعلاقة الدولة بالمواطن، ولطبيعة الخدمة العمومية… تصور يقوم على القرب، والسرعة، والشفافية، والمسؤولية، ويستند إلى أدوات تكنولوجية متقدمة، دون أن يفقد ارتباطه بالقيم الأساسية التي تؤطر العمل القضائي، وفي مقدمتها الاستقلال، والنزاهة، وضمان الحقوق.

وبهذا المعنى، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مدى توفر الوسائل التقنية، وإنما في القدرة على توظيفها توظيفاً رشيداً، يحقق التوازن بين الفعالية والضمانات، ويؤسس لعدالة رقمية لا تختزل الإنسان في معطى رقمي، ولا تحول القاضي إلى مجرد مشغل لنظام معلوماتي، وإنما تجعل من التكنولوجيا أداة في خدمة العدالة، لا بديلاً عنها… أداة تعزز من حضور القانون، وتدعم منطق الإنصاف، وتكرس الثقة في المؤسسات.

وفي أفق ذلك، يظل مشروع المحكمة الرقمية بالمغرب ورشاً مفتوحاً، تتداخل فيه الطموحات مع التحديات، وتتقاطع فيه الإمكانيات مع الإكراهات، غير أن المؤكد أن مسار الرقمنة قد انطلق بالفعل، وأن العودة إلى الوراء لم تعد ممكنة، وأن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق بجدوى هذا التحول، وإنما بكيفية تدبيره، وبالسرعة التي ينبغي أن يتم بها، وبالضمانات التي يجب أن تحيط به… وهي أسئلة تظل مفتوحة، وتستدعي نقاشاً علمياً رصيناً، ومقاربة تشاركية واسعة، تضمن انخراط مختلف الفاعلين في بناء عدالة رقمية متوازنة، دقيقة، محكمة، ومؤسسة على أسس قانونية صلبة لا تقبل الارتباك أو التردد…