بقلم: حبيل رشيد – باحث في الحكامة العمومية
حكامة الاستثمار تُشكّل الإطار الناظم لتدخل الدولة في توجيه الفعل الاستثماري، من خلال منظومة قانونية ومؤسساتية متكاملة تروم ضمان النجاعة الاقتصادية، وترسيخ الأمن القانوني، وتحقيق الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية ذات الصلة… حيث إن هذا المفهوم يتجاوز مجرد تحفيز الرساميل، ليؤسس لمنطق تدبيري قائم على الضبط، والتوجيه، والتقييم المستمر للأثر التنموي للاستثمار.
وفي هذا السياق، يندرج صدور القانون-الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار ضمن دينامية إصلاحية عميقة تستهدف إعادة هيكلة السياسة الاستثمارية للدولة، بما ينسجم مع التوجهات الكبرى التي أقرها النموذج التنموي الجديد… إذ إن الانتقال من الإطار التشريعي السابق إلى هذا الميثاق يعكس إرادة مؤسساتية لتحديث القواعد القانونية المؤطرة للاستثمار، واستيعاب التحولات الاقتصادية والرقمية والبيئية على المستويين الوطني والدولي.
ومن المؤكد أن حكامة الاستثمار، وفق هذا الإطار، تقوم على مجموعة من المبادئ المعيارية التي تؤطر تدخل الدولة وتحدد حدود سلطتها التقديرية، في مقدمتها مبدأ حرية المبادرة والمقاولة، الذي يضمن للمستثمرين هامشاً واسعاً من الاستقلالية في اتخاذ القرار الاقتصادي… كما يبرز مبدأ المنافسة الحرة والشفافية كضمانة أساسية لتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، إضافة إلى مبدأ المساواة في المعاملة الذي يحظر أي تمييز قائم على الجنسية أو الانتماء، وهو ما يعزز جاذبية المجال الاستثماري.
وعلاوة على ذلك، يحتل مبدأ الأمن القانوني موقعاً محورياً داخل منظومة الحكامة الاستثمارية، حيث يقتضي توفير بيئة تشريعية مستقرة وقابلة للتوقع، بما يضمن حماية الحقوق المكتسبة للمستثمرين، ويحد من مخاطر التقلبات القانونية… وبالتالي، فإن هذا المبدأ يشكل حجر الزاوية في بناء الثقة بين الدولة والفاعل الاقتصادي.
أما على المستوى المؤسساتي، فإن الحكامة الاستثمارية تتسم بتعدد المتدخلين وتكامل الأدوار، في إطار توزيع وظيفي دقيق يهدف إلى تحقيق الانسجام والفعالية… حيث تتصدر اللجنة الوزارية للاستثمار هرم هذه البنية، باعتبارها جهازاً تقريرياً يتولى مهام استراتيجية، من قبيل المصادقة على اتفاقيات الاستثمار الكبرى، وتحديد الطابع الاستراتيجي للمشاريع، فضلاً عن تقييم أنظمة الدعم وتتبع مدى فعاليتها.
كما أن هذه اللجنة تضطلع بوظيفة الضبط والتقويم، من خلال رصد الاختلالات واقتراح التعديلات اللازمة، بما يعكس انتقال الحكامة من منطق التدخل الظرفي إلى منطق التقييم المستمر المبني على النتائج… حيث إن القرار الاستثماري لم يعد قراراً إدارياً معزولاً، وإنما أضحى جزءاً من منظومة متكاملة تخضع لمعايير الأداء والنجاعة.
وفي امتداد لهذا التصور، تبرز الحكامة الترابية كأحد المرتكزات الأساسية، في ظل تفعيل الجهوية المتقدمة وخيار اللاتمركز الإداري، حيث تم إسناد دور محوري للجهات في تنزيل السياسات الاستثمارية، عبر المراكز الجهوية للاستثمار التي تتولى مواكبة المستثمرين ومعالجة ملفاتهم على المستوى الترابي… الأمر الذي يسهم في تقريب الإدارة من المرتفق، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار.
كما أن توزيع الاختصاصات بين المستوى المركزي والجهوي يعكس توجهاً نحو ترسيخ مبدأ التدبير اللاممركز، حيث يتم البت في المشاريع التي تقل عن عتبة مالية محددة على الصعيد الجهوي، في حين تحتفظ اللجنة الوزارية بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي… وهو ما يضمن التوازن بين وحدة القرار ومرونة التنفيذ.
ومن جهة أخرى، تعتمد حكامة الاستثمار على منظومة متكاملة لأنظمة الدعم، تخضع لقواعد قانونية دقيقة تضمن توجيه الموارد العمومية نحو تحقيق الأهداف التنموية… حيث يهدف النظام الأساسي إلى تقليص الفوارق المجالية من خلال منح ترابية، وتشجيع القطاعات ذات الأولوية عبر منح قطاعية، في حين تستهدف الأنظمة الخاصة المشاريع الاستراتيجية والمقاولات الصغرى والمتوسطة، إضافة إلى دعم التوسع الدولي للمقاولات الوطنية.
وفي هذا الإطار، تبرز اتفاقية الاستثمار كآلية تعاقدية مركزية، تؤطر العلاقة بين الدولة والمستثمر، من خلال تحديد الالتزامات المتبادلة وشروط الاستفادة من الدعم… حيث إن هذه الاتفاقية تكرس مبدأ التوازن العقدي، وتخضع لمنطق الالتزام مقابل الامتياز، بما يعزز الشفافية ويحد من التعسف.
وعلاوة على ذلك، لا تكتمل الحكامة الاستثمارية دون إرساء تدابير موازية تروم تحسين مناخ الأعمال، في مقدمتها تسهيل الولوج إلى العقار الاقتصادي، وتطوير البنيات التحتية الصناعية واللوجستيكية، وتعزيز التنافسية عبر إصلاح قطاع الطاقة وتشجيع الطاقات المتجددة… إضافة إلى ذلك، يشكل تبسيط المساطر الإدارية ورقمنتها أحد المرتكزات الأساسية، بما يحد من التعقيد ويقلص الزمن الإداري.
كما يولي الميثاق أهمية خاصة للضمانات القانونية الممنوحة للمستثمرين، حيث يكرس حرية تحويل الأرباح وحصيلة التفويت، ويضمن حماية حقوق الملكية الفكرية، فضلاً عن توفير آليات فعالة لحماية الاستثمارات… الأمر الذي يعزز الثقة ويحفز تدفق الرساميل الوطنية والأجنبية.
وفي ما يتعلق بحكامة النزاعات، فقد تم إقرار آليات متعددة لتسوية الخلافات، تبدأ بالتسوية الودية كخيار أولي يهدف إلى الحفاظ على استمرارية العلاقة التعاقدية، وتمتد إلى إمكانية اللجوء إلى التحكيم، سواء وفق التشريع الوطني أو الاتفاقيات الدولية… حيث إن هذا التعدد في الوسائل يعكس حرص المشرع على توفير ضمانات إجرائية فعالة تضمن سرعة البت وحماية الحقوق.
وفي ضوء هذه المقتضيات، يتأكد أن حكامة الاستثمار، كما أقرها القانون-الإطار 03.22، تمثل نموذجاً متقدماً في تدبير السياسات العمومية، يقوم على التوازن بين الحرية الاقتصادية والضبط القانوني، وبين جاذبية الاستثمار وحماية المصلحة العامة… كما تعكس هذه المنظومة إرادة واضحة لترسيخ موقع المغرب كقطب إقليمي وقاري للاستثمار، قادر على استقطاب الرساميل وتوجيهها نحو تحقيق تنمية مستدامة ومندمجة.
وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى فعالية التنزيل العملي لهذه المقتضيات، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان الالتقائية والتنسيق، بما يحقق الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها الرفع من مساهمة الاستثمار الخاص في الاقتصاد الوطني، وتعزيز خلق مناصب الشغل، وترسيخ الثقة في البيئة الاستثمارية… حيث إن الحكامة، في بعدها العملي، تقاس بمدى قدرتها على إنتاج الأثر، وليس فقط بمتانة النصوص.

