الأحداث الوطنية|أقلام حرة

المال بدل الكفاءة: سطات في قبضة الفساد الانتخابي

IMG-20251223-WA0086

بقلم : راشد محمد

في إقليم سطات، لا يُطرح سؤال “من سيمثل الساكنة؟” بقدر ما يُطرح سؤال أكثر واقعية: من سيدفع أكثر؟
فمع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، دخل الإقليم مرحلة متقدمة من الاستعداد، لا سياسيًا ولا ديمقراطيًا، بل تجاريًا، حيث تُعرض المقاعد الانتخابية في سوق مفتوح، وتُقاس الحظوظ الانتخابية بسُمك الشكارة لا بثقل المشروع.
هنا، لا حاجة إلى تاريخ نضالي، ولا إلى تجربة تدبيرية، ولا حتى إلى الحد الأدنى من الثقافة الدستورية. يكفي أن يكون المرشح “مستثمرًا انتخابيًا” ناجحًا، وأن يُتقن لغة واحدة مفهومة لدى الجميع: لغة المال.
وجوه انتهت… لكن الفساد لا يتقاعد
المفارقة الساخرة أن الوجوه السياسية التي لفظها الشارع، واحترقت أوراقها، وفشلت في تحقيق أبسط وعودها، لم تختفِ من المشهد، بل أعادت التموضع بذكاء مريب.
اختفت من الواجهة، وظهرت في الكواليس، تمارس دور الوسيط العقاري السياسي: تبيع المواقع، وتؤجّر النفوذ، وتُسلم مفاتيح الدوائر الانتخابية لوجوه جديدة لا تعرف عن سطات سوى عدد الأصوات الممكن شراؤها.
وهكذا، يتم استيراد مرشحين من خارج الإقليم، لا رابط لهم بالمنطقة ولا بساكنتها، لكنهم محمولون على أكتاف المال، ومدعومون بشبكات مصالح، وكأن سطات مجرد قطعة أرض بلا أهل، أو خريطة صامتة بلا ذاكرة.
حين يتحول الناخب إلى زبون
لا يمكن الحديث عن هذا العبث دون تسمية الأشياء بأسمائها:
جزء من المسؤولية تتحملها فئة من الناخبين الذين قرروا، طوعًا أو اضطرارًا، بيع أصواتهم مقابل فتات، ثم المطالبة لاحقًا بحقوق كاملة.
فالذي يبيع صوته اليوم، يشتري صمته لسنوات.
وليس غريبًا، والحالة هذه، أن تعرف سطات تخلفًا تنمويًا مزمنًا، وبنيات تحتية هشة، وخدمات عمومية عاجزة، ومشاريع متعثرة. فالنتيجة الطبيعية لبرلمان الشكارة، هي سياسات فقيرة، وقرارات هزيلة، وتمثيلية مشوهة.
الخطب الملكية… والواقع يسير في الاتجاه المعاكس
لقد شدد جلالة الملك، في غير ما خطاب، على أن النموذج التنموي الجديد لن ينجح دون نخب سياسية كفؤة ونزيهة، وحذر بوضوح من المال الانتخابي ومن تحويل السياسة إلى وسيلة للاغتناء أو التحصن من المحاسبة.
كما أكد أن الانتخابات يجب أن تكون آلية لفرز الأفضل، لا مناسبة لإعادة تدوير الفشل.
لكن ما يقع في سطات يوحي وكأن بعضهم قرر الدخول في عصيان أخلاقي صامت ضد هذه التوجيهات، حيث تُفرغ السياسة من بعدها القيمي، ويُختزل التمثيل في القدرة على الدفع، لا على التفكير.
أحزاب للبيع… ومرشحون للاستعمال
أما الأحزاب السياسية، فحدث ولا حرج.
بدل أن تقوم بدورها في التأطير والانتقاء، تحولت في حالات كثيرة إلى واجهات إدارية تُسلّم التزكيات لمن يدفع أكثر، دون اعتبار للمستوى التعليمي، أو الكفاءة التشريعية، أو حتى القدرة على التعبير السليم.
مرشحون لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، سيصوغون القوانين.
وأشخاص لا يعرفون اختصاصات البرلمان، سيراقبون الحكومة.
وكل هذا باسم “التمثيلية الشعبية”!
أي سخرية أكبر من هذه؟
سطات ليست للبيع… لكن المزاد مستمر
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فجاجته، بل تطبيعه.
أن يصبح شراء الأصوات أمرًا عاديًا، وبيع التزكيات ممارسة مألوفة، وتلميع الرداءة سلوكًا مشروعًا.
سطات لا تعاني من نقص في الإمكانيات، بل من نقص في الضمير السياسي.
ولا تحتاج إلى مزيد من الأثرياء تحت قبة البرلمان، بل إلى رجال ونساء يفهمون معنى المسؤولية.
ويبقى السؤال الذي يخشاه تجار السياسة:
هل سيستمر المواطن السطاتي في لعب دور الكومبارس في مسرحية الشكارة، أم سيقرر أخيرًا إسقاط الستار على هذا العبث؟
لأن المدينة التي تُباع في الانتخابات…
تُستباح بعد الفوز.