الأحداث الوطنية|أقلام حرة

السلطة الهادئة على النفس.

IMG-20251028-WA0076

بقلم حبيل رشيد.

> “من لا يملك نفسه… لا يملك شيئاً” — سقراط.

 

هناك قوّة خفيّة لا تُرى… لكنها تُشعرك بأنك أكبر من انفعالك… وأسمى من غضبك… تلك ليست سلطة المال… ولا سلطة الجاه… بل هي أعظم سلطة يمكن أن يمتلكها إنسان… سلطة الرجوع خطوة إلى الوراء… سلطة التريّث… سلطة أن تقول في أعماقك: لماذا أشعر بهذا؟… ولماذا أسمح له أن يقودني؟

إنها القدرة على التراجع من داخل العاصفة دون أن تفقد دفء المشاعر… أن تتأمل ما جرى دون أن تتنكر لإنسانيتك… أن تطرح على نفسك السؤال الذي لا يطرحه أحد في لحظة الغضب: “لماذا أغضب؟ وما مصدر هذا الغضب؟”…

كلّ ما في الأمر… أنك تتعلّم أن تُنصت لعقلك وسط ضجيج عاطفتك… أن تنظر إلى انفعالك كما ينظر العالم إلى النار… لا ليُطفئها فوراً… بل ليتأمل كيف اشتعلت… من أين أتت شرارتها الأولى… وأين وضعت وقودها…

ليس المقصود أن تُخمد نارك أو تكبتها… فالقمع ليس تحكماً… والسكوت ليس حكمة… بل أن تدع العاطفة تمرّ فيك كما تمرّ موجة البحر… تلامسك… تهيّجك… ثم تنحسر… دون أن تكسرك…

إنها مسافة صغيرة جداً… بين من يُستعبد بانفعاله… ومن يراقب انفعاله من علٍ… مسافة بين ردّ الفعل… والفعل الواعي… بين من تُحرّكه الظروف كريشة في مهبّ الريح… ومن يختار اتجاهه في قلب العاصفة…

كلّ ما تحتاجه هو تلك “النصف خطوة” أو “الخطوة الكاملة” إلى الوراء… خطوة الوعي… خطوة السؤال… خطوة النور الخافت الذي يخرجك من سجن اللحظة إلى فضاء الإدراك…

الناس يظنون أن السيطرة على العاطفة هي قتلها… ولكن لا… العاطفة ليست عدواً… بل هي محرّك الخلق… روح الاكتشاف… سرّ الدهشة التي تُبقي الإنسان حيّاً في داخله… لولاها لما حلم العالِم… ولا كتب الشاعر… ولا تأمّل الفيلسوف…

فالعاطفة هي نارٌ… تُحرّك العجلات التي تصعد بها الحضارات… ولكنها نفسها النار التي تحرق إذا لم نعرف كيف نحملها في قلوبنا… دون أن تلتهمنا…

تخيّل العالم الكبير وهو يكتشف قانوناً… أو ينحت فكرة من صخر الغيب… لا يفعل ذلك ببرود عقلٍ فقط… بل بنشوةٍ وجدانيةٍ عارمة… بحماسٍ طفوليٍّ يُشبه السحر… إنّ العواطف الصادقة هي التي تُطلق الخيال… وتجعل الفكر يتحرّك خارج حدود الواقع…

لكنّ الخطر يبدأ حين تتحوّل تلك المشاعر من خادمةٍ إلى سيّدة… من نورٍ يُنير طريقك… إلى لهبٍ يُعمي بصيرتك… حين تغضب… وتُقرر وأنت غضبان… أو تحكم وأنت مأزوم… أو تكتب وأنت مجروح…

إنّ لحظة الغضب تُشبه النفق… تضيق رؤيتك… تظنّ أنك ترى كلّ شيء… بينما أنت لا ترى سوى ظلّ نفسك على الجدار… ولهذا… تأتي الخطوة الأولى نحو الحرية: أن تسأل نفسك بعد أن تهدأ العاصفة… لماذا شعرت بما شعرت؟…

تأمّل المشهد جيداً… شيء يثيرك… كلمة تُغضبك… تصرّف يُهينك… تشعر بالحرارة تصعد إلى صدرك… تلك ليست خطيئة… إنها الطبيعة البشرية في أنقى صورها… لكن الخطأ أن تتركها تُصبح من يقودك… أن تسمح لها بأن تتكلم باسمك…

دعها تمرّ… دعها تتنفّس… ثم عد بعد ساعات أو أيام… عد متأملاً لا منفعلاً… واسأل نفسك: هل كان يستحق كلّ هذا؟… هل هذا الموقف سيبقى في ذاكرتي بعد سنة؟… بعد شهر؟… بعد أسبوع؟…

في الغالب… ستضحك… ستكتشف أن ما أثار جنونك لم يكن سوى غبار عابر على وجه الوقت… وأنك كنت تحارب ظلّاً لا حقيقة…

وحين تفعل ذلك مرة واحدة فقط… سيتغيّر شيء عميق فيك… ستشعر بأنك أمسكت بزمام نفسك لأول مرة… وأنك لم تعد أسيراً لما يحدث حولك… بل سيداً لما يحدث فيك…

هذه هي الحرية التي لا تُشترى… حرية من داخلك… لا يمنحها قانون… ولا يسلبها أحد… حرية أن تختار كيف تشعر… وكيف تردّ… وكيف تبقى ثابتاً بينما يتقلب كلّ شيء من حولك…

تخيل أنك في بحرٍ متلاطمٍ من المشاعر… الغضب… الغيرة… الخوف… الطموح… الكره… الإعجاب… الندم… كلّها أمواج تصطدم بك كلّ يوم… ولا سبيل إلى النجاة إلا أن تتعلّم السباحة فيها دون أن تغرق…

أن تفهم أن الغضب ليس خصمك… بل معلّمك… أن تعرف أن الحسد ليس لعنة… بل مرآة لضعفٍ ما فيك… أن تكتشف أن الألم الذي تحاول الهرب منه هو في الحقيقة دليل حيّ على أن قلبك ما زال يتنفس…

كلّ إحساس هو إشارة… كلّ وجع هو درس… وكلّ انفعال هو تمرين على الوعي…

أتعلم ما يجعل الإنسان عبداً؟… ليس السلطة التي فوقه… بل ردود الفعل التي تسكنه… حين يصبح كلّ ما يعيشه مجرد استجابة عمياء لما يجري أمامه… حين يتحول إلى كائنٍ منعكس… لا يملك قراره… ولا هدوءه… ولا نفسه…

أن تكون إنساناً يعني أن تمتلك “المسافة”… أن تتأخر لحظة قبل أن تردّ… أن تزن الأمور في كفّة العقل دون أن تقتل العاطفة في كفّة القلب… أن تحوّل الغريزة إلى وعي… والانفعال إلى حكمة…

إنّ أجمل الانتصارات هي تلك التي لا يراها أحد… أن تُهزم غريزتك أمامك… أن تُسكت الغضب داخلك دون أن تكسر روحك… أن تُحاور نفسك بصدق لا يسمعه أحد…

في كلّ لحظةٍ من حياتنا امتحان صغير… كلمة تُقال… حدثٌ يثيرنا… شخصٌ يستفزنا… والنتيجة تحدّدها ثانية واحدة… تلك التي تسبق ردّ الفعل…

تلك الثانية هي الحياة كلّها…

ففيها إما أن تكون سيد نفسك… أو عبدها…

وفيها إمّا أن ترفعك مشاعرك إلى مقام الحكمة… أو تجرّك إلى هاوية الندم…

إنّ ما يُطلب منك ليس أن تُصبح تمثالاً بارداً… بل أن تكون إنساناً كاملاً… يعرف متى يثور ومتى يصمت… يعرف متى يُقاتل ومتى يعفو…

أن تكون مثل النهر… يجري بعنفٍ أحياناً… لكنه يعرف وجهته… لا يضيع في فوضى الصخور…

أن تكون مثل الضوء… حادّاً حين يجب… لكنه لا يُحرق إلا لينهض النهار…

التحكّم في العاطفة لا يأتي في يومٍ أو شهر… بل هو تدريبٌ طويلٌ للنفس… تمرين على المراقبة… على الوعي… على التريّث…

في البداية سيكون صعباً… ستنسى… ستنفجر… ثم تندم… ثم تتذكّر بعد فوات الأوان… لكنّ كلّ تذكّرٍ هو خطوة… وكلّ ندمٍ هو يقظة…

وحين تعود في المرة التالية… ستتأخّر لحظة قبل الانفجار… تلك اللحظة… هي بذرة الحكمة…

إنها عادة تُزرع في الدماغ… تبدأ كسؤالٍ بسيطٍ يهمس في داخلك: لماذا شعرت بهذا؟… ثم تتحوّل إلى عادةٍ تُنقذك من نفسك… ثم تصبح طبيعة ثانية…

وفي النهاية… ستكتشف أن ما كنت تبحث عنه ليس أن تُلغى مشاعرك… بل أن تُصبح شريكاً لها لا أسيراً… أن تمسك بزمامها بلطف… أن تعرف متى تُطلقها ومتى تُعيدها إلى قفص الهدوء…

حينها فقط ستفهم أن العاطفة ليست ضعفاً… بل طاقة تحتاج إلى توجيه… كالنهر حين يُرسم له مجرى… فيُصبح حياة… لا طوفاناً…

إنّ الإنسان الحرّ… هو الذي لا تجرّه الظروف… بل يتأملها وهو في مركزها… ينظر إلى الألم فيرى فيه حكمة… إلى الفقد فيرى فيه درساً… إلى الغضب فيرى فيه مرآةً تكشف ما لم يكن يراه…

هو الذي حين يثور… لا يثور عبثاً… وحين يصمت… لا يصمت خوفاً… بل فهماً…

هو الذي يستطيع أن يحبّ دون أن يتملّك… وأن يغضب دون أن يدمّر… وأن يحزن دون أن ينهار…

هو الذي عرف أنّ المعركة ليست مع الناس… بل مع نفسه… مع تلك الفوضى التي تسكن الداخل…

وفي تلك اللحظة من الصفاء… حين تتعلّم أن تتراجع نصف خطوة… ستشعر بأنك لست فقط أكثر هدوءاً… بل أكثر حضوراً… أكثر حياة…

لأنك حين تتأمل مشاعرك… لا تبتعد عنها… بل تراها على حقيقتها… تراها كما يرى الشاعر البحر من فوق الجرف… يسمع هديره… يراه يتلاطم… لكنه لا يغرق فيه…

هكذا تُصبح العاطفة وسيلة فهم… لا وسيلة فوضى…

وهكذا تُصبح الحرية شجاعة داخلية… لا صراخاً خارجياً…

وحين تصل إلى تلك المرحلة… حين لا يعود الخارج قادراً على تحريكك إلا بقدر ما تسمح له أنت… حين تُدرك أن المعركة الكبرى في الحياة ليست مع أحد… بل مع ذاتك… عندها تكون قد بلغت جوهر الإنسان…

جوهر القوة… وجوهر الهدوء…

جوهر من يمتلك السلطة الهادئة على نفسه…