بقلم: المصطفى المصدوقي
سأحاول بمقالة تحليلية توضيح سبب إلغاء شعيرة النحر لهذه السنة ؛ فقد كشفت الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز (ANOC) عن مساعيها لإحصاء الثروة الحيوانية في ما يتراوح بين 32 و 35 ألف قرية مغربية. وقد شارك في هذه العملية، التي اعتمدت نظام تعويض “القطعة” (حسب عدد الرؤوس المحصاة)، نحو 170 تقنياً. لكنّ النتائج الأولية لهذه العملية، التي أُجريت خلال السنة الفارطة، رسمت صورة مقلقة حيث برزت ظاهرة واسعة لتقليل متعمد لأعداد رؤوس الأغنام والماعز من قِبل المربين.
هذا السلوك، المتجذر في هاجس التهرب من أعباء ضريبية إضافية، إضافة إلى التخوف من تأثير الإفصاح على الأهلية للاستفادة من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض “AMO تضامن” الخاص بالفئات الهشة، أدى إلى انخفاض كبير ومضلل في الأرقام الإحصائية الرسمية. ونتيجة لذلك، لم تعد هذه الأرقام تعكس الواقع الحقيقي للثروة الحيوانية في البلاد.
لقد شكّل هذا التضليل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق الأهداف المرجوة من عملية الإحصاء. ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الجمعية، عبد الرحمن المجدوبي، يرى أن إحصاء المواشي لسنة 2024 “يرتقب أن ينهي جدل نقص رؤوس الأغنام والماعز بالمغرب، وأن يقدم للوزارة المعنية بالقطاع رؤية لبناء استراتيجية واضحة فيما يتعلق بعمليات الاستيراد”، فإن تزييف البيانات يضعف من مصداقية هذه الرؤية ويعيق القدرة على اتخاذ قرارات صائبة ومبنية على أسس واقعية.
يتجاوز تأثير هذه الظاهرة (المغالطة في الأرقام) مجرد دقة الإحصاءات؛ فهو يمتد ليؤثر على قرارات وطنية مصيرية، ومن أبرزها قرار إلغاء شعيرة عيد الأضحى الذي قد تشهده المملكة هذه السنة. ففي ظل وجود نقص حقيقي أو متوقع في رؤوس الأضاحي، نتيجة للظروف المناخية أو غيرها، تعتمد الحكومة، بتوجيهات ملكية سامية، بشكل كبير على الأرقام الرسمية للإحصاءات لتحديد مدى توفر الأضاحي، تكلفتها، وقدرة السوق على تلبية الطلب.
وإذا كانت الأرقام المقدمة من المربين أقل بكثير من الواقع بسبب التهرب من الإفصاح، فإن ذلك يؤدي إلى تداعيات خطيرة، أبرزها:
• التقدير الخاطئ للعرض المتاح: يمنح انطباعاً بوجود نقص حاد في الأضاحي، حتى لو كان العدد الفعلي كافياً.
• قرارات استيراد مبالغ فيها: تدفع الحكومة إلى استيراد أعداد كبيرة من الماشية بناءً على الأرقام الرسمية المغلوطة، مما يسهم في ارتفاع الأسعار المحلية ويزيد الأعباء الاقتصادية.
ونتيجة لذلك، فإن إلغاء الشعيرة يعد من بين سيناريوهات القلق الشديد من عدم كفاية الأضاحي أو الارتفاع الجنوني لأسعارها. قد يُتخذ قرار بإلغاء الشعيرة حفاظاً على مصالح المواطنين وتجنباً للمضاربات، وذلك بناءً على بيانات غير دقيقة عن حجم القطيع الوطني.
أرقام تضلل السياسات: السبب الرئيسي لإلغاء شعيرة أضحية العيد؟ (الجزء الأول)

