الأحداث الوطنية|أقلام حرة

استقلال النيابة العامة في المغرب… من جدل التبعية إلى ترسيخ الشرعية القضائية

Screenshot_20260422-162751

 

 

بقلم: حَبيل رشيد

 

يُفهم من القراءة الممنهجة لمقتضيات دستور سنة 2011، وخاصة الفصول 107 و109 و110 و115، أن المشرّع الدستوري أقام بنية معيارية دقيقة قوامها إقرار استقلال السلطة القضائية بوصفها سلطة قائمة الذات، تتمتع بضمانات مؤسساتية ووظيفية تحول دون أي تدخل أو تأثير صادر عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع ترتيب الجزاء عن كل مساس بهذا الاستقلال… ومن ثم، فإن إعادة تنظيم جهاز النيابة العامة تندرج ضمن هذا النسق الدستوري، باعتبارها فاعلًا محوريًا في تحريك الدعوى العمومية وتنفيذ السياسة الجنائية، وهو ما يقتضي إحاطتها بضمانات الاستقلال على نحو يحقق الانسجام بين النص الدستوري والممارسة العملية.

 

ويُستفاد من تتبع المسار التاريخي أن النيابة العامة في المغرب لم تتشكل في إطار سيادة قانونية مكتملة منذ البداية، حيث إن القضاء التقليدي قبل سنة 1912م، لم يكن يعرف جهازًا قائمًا بذاته يتولى تمثيل المجتمع في الدعوى العمومية، وإنما كانت الوظيفة القضائية مندمجة في سلطة القاضي الذي يجمع بين النظر في النزاع وتطبيق الأحكام الشرعية… غير أن إحداث التنظيم القضائي بمقتضى ظهير 12 غشت 1913م، في سياق الحماية، أدخل نموذجًا مؤسساتيًا مستوحى من القانون الفرنسي، أُدرجت ضمنه النيابة العامة باعتبارها جهازًا يسهر على حماية النظام العام وتطبيق القانون، مع خضوعها لسلطة إدارية مركزية.

 

واستمر هذا التوجه بعد الاستقلال، حيث جاء قانون المسطرة الجنائية الصادر بتاريخ 10 فبراير 1959 ليؤطر عمل النيابة العامة في إطار حديث نسبيًا، غير أنه أبقى على ارتباطها بوزارة العدل، إذ نصت المادة 38 منه على خضوع أعضاء النيابة العامة لتعليمات وزير العدل، وهو ما يكرس مبدأ التسلسل الرئاسي خارج الدائرة القضائية… ووفقًا لقاعدة “التابع تابع”، فإن هذا الارتباط كان يفضي، من حيث الأثر، إلى امتداد تأثير السلطة التنفيذية إلى مجال اتخاذ القرار الجنائي، الأمر الذي يطرح إشكالًا جوهريًا يتعلق بمدى احترام مبدأ حياد القضاء.

 

ويُلاحظ، تبعًا لذلك، أن الوضعية القانونية للنيابة العامة قبل صدور القانون رقم 33.17 كانت تتسم بازدواجية بنيوية، حيث تجمع بين الانتماء إلى الهيئة القضائية من حيث الوظيفة، والخضوع لإشراف السلطة التنفيذية من حيث التوجيه والتأطير، وهو ما كان يؤدي إلى تداخل في الاختصاصات بين منطق المسؤولية السياسية ومنطق الاستقلال القضائي… ومن زاوية أصولية، فإن قاعدة “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” تقتضي تغليب مصلحة استقلال القضاء على اعتبارات الرقابة السياسية، متى ترتب عن هذه الأخيرة احتمال التأثير في حياد القرار القضائي.

 

وفي هذا السياق، برزت إسهامات قوية وعملية مبكرة، من بينها مقال الدكتور عبد العزيز البعلي المنشور سنة 2012 في جريدة هسبريس تحت عنوان “استقلال قضاة النيابة العامة في ظل الدستور الجديد”، حيث انطلق من تحليل الفصل 110 من الدستور، الذي يمنع القضاة من تلقي أي أوامر أو تعليمات أو الخضوع لأي ضغط، ليطرح إشكالية مركزية مفادها مدى شمول هذا المنع لقضاة النيابة العامة… وقد انتهى إلى أن وحدة الجسم القضائي تقتضي امتداد الاستقلال إلى قضاة النيابة العامة، باعتبارهم يمارسون وظيفة قضائية، وإن اختلفت طبيعتها عن قضاء الحكم.

 

كما عالج المقال مسألة الشرعية التي يستمدها وزير العدل في ترؤس النيابة العامة، حيث عرض اتجاهًا يربط هذه الشرعية بالمساءلة الديمقراطية أمام البرلمان، مقابل اتجاه آخر يدعو إلى استبعاد هذه الرئاسة تكريسًا للاستقلال المؤسساتي… وقد رجّح الاتجاه الثاني استنادًا إلى المعايير الدولية، التي تشترط استقلال أجهزة الادعاء العام عن السلطة التنفيذية، ضمانًا لحيادها في مباشرة الدعوى العمومية.

 

وتأسيسًا على هذا النقاش الفقهي والدستوري، صدر القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسًا للنيابة العامة، وهو نص تشريعي أحدث قطيعة تنظيمية مع الوضع السابق، حيث تم بموجبه إسناد السلطة الرئاسية داخل النيابة العامة إلى جهة قضائية، انسجامًا مع مقتضيات الفصل 107 من الدستور… ووفقًا لقاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل المنع”، فإن إسناد هذه السلطة إلى هيئة قضائية يظل هو الخيار الأقرب إلى تحقيق مقاصد الاستقلال.

 

وقد رتب هذا القانون جملة من الآثار القانونية، من بينها نقل صلاحيات الإشراف والتوجيه من وزير العدل إلى رئاسة النيابة العامة، مع اعتماد التعليمات الكتابية كآلية تنظيمية لضمان الشفافية، وهو ما ينسجم مع مقتضيات الفصل 110 من الدستور الذي يلزم قضاة النيابة العامة بتنفيذ التعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها… كما تم تكريس مبدأ وحدة النيابة العامة تحت سلطة رئاسية قضائية، بما يعزز الانسجام في تطبيق السياسة الجنائية.

 

ويُضاف إلى ذلك أن هذا التحول قد تعزز بدور المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المحدث بموجب الفصل 115 من الدستور، والذي أوكلت إليه مهمة تدبير الوضعية المهنية للقضاة، من تعيين وترقية وتأديب، وفق معايير موضوعية تضمن الاستقلال والنزاهة… وهو ما يتماشى مع القاعدة الفقهية “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”، حيث إن إسناد هذه الاختصاصات إلى هيئة مستقلة يحقق مصلحة العدالة ويحصنها من أي تأثير خارجي.

 

غير أن إقرار استقلال النيابة العامة أثار تساؤلات تتعلق بآليات الرقابة والمساءلة، خاصة في ظل غياب الرقابة البرلمانية المباشرة التي كانت تمارس عبر وزير العدل، وهو تساؤل يجد أساسه في قاعدة “كل سلطة تقابلها مسؤولية”… غير أن هذا الإشكال يمكن معالجته من خلال استحضار تعددية آليات الرقابة، حيث تتوزع بين الرقابة المؤسساتية التي يمارسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والرقابة الداخلية عبر التسلسل الرئاسي داخل النيابة العامة، إضافة إلى الرقابة المجتمعية التي تضطلع بها وسائل الإعلام.

 

وفي هذا الإطار، تشكل التقارير السنوية لرئاسة النيابة العامة أداة قانونية مهمة لتكريس مبدأ الشفافية، حيث تتيح تقييم السياسة الجنائية واستشراف توجهاتها، وهو ما ينسجم مع قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، باعتبار أن تحقيق العدالة يقتضي توفير آليات فعالة للمساءلة والتقييم.

 

كما أن اعتماد التعليمات الكتابية بدل الشفوية يمثل ضمانة إضافية، إذ يتيح تتبع مصدر القرار وتحديد مسؤوليته، وهو ما يعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة… ومن ثم، فإن الاستقلال الذي تم إقراره لا يعني الانفصال عن كل رقابة، وإنما إعادة تنظيمها في إطار يضمن التوازن بين الاستقلال والمساءلة.

 

ويُستفاد من مجمل هذه التحولات أن المشرّع المغربي قد اتجه نحو بناء نموذج قضائي يستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة، حيث يتم الفصل بين السلط وفق قواعد دقيقة، مع الحفاظ على وحدة السياسة الجنائية في إطار قضائي مستقل… وهو توجه ينسجم مع المعايير الدولية، التي تؤكد على ضرورة تمكين أجهزة الادعاء العام من ممارسة مهامها في إطار من الحياد والاستقلال.

 

وتبعًا لذلك، فإن تفعيل هذا الاستقلال يظل رهينًا بتعزيز الثقافة المؤسساتية داخل الجسم القضائي، وترسيخ قيم النزاهة والحياد، بما يضمن التطبيق السليم للنصوص القانونية… إذ إن النص، مهما بلغ من الدقة، يظل محتاجًا إلى ممارسة واعية تؤطره وتفعّله.

 

ويُلاحظ أن هذا التحول قد ساهم في إعادة توزيع الاختصاصات داخل منظومة العدالة، حيث أصبح لكل سلطة مجالها المحدد، بما يحد من التداخل ويعزز الوضوح في المسؤوليات… وهو ما ينسجم مع قاعدة “تحديد الاختصاص يمنع التنازع”، التي تشكل أحد المبادئ الأساسية في التنظيم القانوني.

 

كما أن استقلال النيابة العامة يسهم في تعزيز ثقة المتقاضين في القضاء، باعتباره جهازًا محايدًا يسهر على تطبيق القانون دون تأثير، وهو ما ينعكس إيجابًا على الأمن القانوني… حيث إن استقرار القواعد القانونية ووضوحها يمثلان عنصرين أساسيين في تحقيق العدالة.

 

ويُفهم من هذا المسار أن إصلاح النيابة العامة لم يكن إجراءً معزولًا، وإنما جزء من رؤية شمولية لإصلاح منظومة العدالة، تقوم على مبادئ الاستقلال والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة… وهو ما يفرض مواصلة الجهود لتعزيز هذه المكتسبات، من خلال تطوير النصوص القانونية وتحديث آليات العمل القضائي.

 

ويظل التحدي العملي متمثلًا في تحقيق التوازن الدقيق بين الاستقلال والفعالية، بحيث يتم ضمان سرعة البت في القضايا دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة… وهو ما يقتضي تنسيقًا محكمًا بين مختلف مكونات العدالة، في إطار احترام الاختصاصات.

 

ويؤدي هذا التوجه، في محصلته، إلى إرساء دعائم دولة الحق والقانون، حيث يخضع الجميع لسلطة القانون، وتتم حماية الحقوق والحريات في إطار مؤسساتي متوازن… وهو ما يعكس نضج التجربة الدستورية المغربية وقدرتها على التكيف مع التحولات المعاصرة.