الأحداث الوطنية|مجتمع

الحقيقة الكاملة: تبعمرانت بين الأحكام القضائية النهائية وحملات التضليل.

IMG-20260608-WA0062

 

 

 

أثارت خرجة إعلامية حديثة لإحدى المغنيات الأمازيغيات موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما نشرت مقطع فيديو تضمن ادعاءات ومعطيات غير دقيقة بشأن ملف قضائي سبق أن حسم فيه القضاء المغربي بشكل نهائي خلال سنة 2025. وقد قُدِّم الملف للرأي العام على أساس أنه يتعلق بحكم قضائي جديد صدر خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو 2026، وهو ما ساهم في انتشار الرواية بشكل واسع عبر عدد من الصفحات والحسابات الإلكترونية التي أعادت تداول الفيديو باعتباره حكماً حديثاً صدر باسم جلالة الملك لفائدة الفنانة فاطمة شاهو، المعروفة فنياً بتبعمرانت، رغم أن الوقائع والوثائق القضائية الرسمية تؤكد خلاف ذلك.

وتكشف المعطيات القضائية المتوفرة أن الحكم الذي جرى الترويج له خلال الأيام الأخيرة ليس حكماً جديداً، وإنما يتعلق بالقرار الاستئنافي عدد 6749 الصادر بتاريخ 22 شتنبر 2025 في الملف عدد 6757/2602/2025، والذي أيد الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الابتدائية بإنزكان تحت عدد 63 بتاريخ 9 يناير 2025 في الملف رقم 7090/2106/2024. وقد قضى هذا الحكم بإدانة المتهمة من أجل خرق حقوق المؤلف، والحكم عليها بغرامة مالية نافذة قدرها 15 ألف درهم في الدعوى العمومية، مع إلزامها بأداء تعويض مدني لفائدة الفنانة فاطمة تبعمرانت قدره 50 ألف درهم، إضافة إلى الأمر بحذف جميع الأغاني موضوع النزاع من منصة يوتيوب ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

وتكمن أهمية هذه المعطيات في أن الحكم المذكور حاز قوة الشيء المقضي به منذ سنة 2025، غير أن بعض الجهات عمدت إلى إعادة تقديمه للرأي العام على أنه حكم جديد صدر خلال شهر يونيو 2026، وهو ما اعتبره متابعون محاولة لإعادة توجيه النقاش العمومي بعيداً عن حقيقة الملف القضائي ومساره القانوني الذي انتهى بأحكام نهائية ومكتسبة لقوة التنفيذ.

ولم يتوقف النزاع عند حدود الملف الأول، إذ تقدمت الفنانة فاطمة تبعمرانت بشكاية جديدة بعدما استمرت المتهمة، وفق ما تثبته وثائق الملف، في أداء واستغلال أغانيها رغم صدور أحكام قضائية تتعلق بالاستغلال غير المشروع للمصنفات الفنية المحمية. وفي هذا السياق، انتقل مفوض قضائي بتاريخ 27 أكتوبر 2024 إلى مهرجان “سولفيش تيكري” المنظم بدوار سيدي بونوار التابع لجماعة أكلو بإقليم تيزنيت، حيث عاين قيام المتهمة بأداء أغنيتين من الرصيد الفني للفنانة فاطمة تبعمرانت أمام الجمهور خلال سهرة فنية.

كما أقرت المتهمة، خلال محضر الضابطة القضائية المؤرخ في 26 نونبر 2024، بمشاركتها في المهرجان المذكور وبأدائها للأغنيتين موضوع الشكاية، وهو ما اعتُبر حالة عود، بالنظر إلى أنها كانت قد خضعت للاستماع بتاريخ 12 شتنبر 2024 في إطار الشكاية الأولى المتعلقة بالاستغلال غير المرخص للأعمال الفنية.

وقد انتهى هذا الملف إلى صدور حكم ابتدائي جديد تحت عدد 474 بتاريخ 29 يناير 2025 في الملف رقم 6077/2102/2024، قضى بإدانة المتهمة والحكم عليها بغرامة مالية نافذة قدرها 15 ألف درهم، مع إلزامها بأداء تعويض مدني لفائدة المطالبة بالحق المدني قدره 25 ألف درهم، إضافة إلى الأمر بحذف الأغاني المستغلة دون ترخيص من مختلف المنصات الرقمية.

وفي مرحلة الاستئناف، أيدت محكمة الاستئناف بأكادير هذا الحكم بمقتضى القرار عدد 9465 الصادر بتاريخ 12 دجنبر 2025 في الملف عدد 4509/2102/2025، ليصبح بدوره حكماً نهائياً ضمن سلسلة الأحكام القضائية المرتبطة بهذه القضية.

وتؤكد وثائق الملف أن الأحكام الصادرة لم تُبنَ على ادعاءات أو مزاعم مجردة، بل استندت إلى محاضر رسمية ومعاينات قانونية وتصريحات صريحة صادرة عن المتهمة نفسها أمام الضابطة القضائية وأمام المحكمة. فقد أقرت بأداء أكثر من 17 أغنية مسجلة باسم الفنانة فاطمة تبعمرانت خلال سهرات ومهرجانات فنية وعلى امتداد فترة تجاوزت 18 سنة، فضلاً عن استعمال تلك الأعمال عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

وبعد دراسة مختلف عناصر الملف، اقتنعت المحكمة بثبوت أفعال إعادة النشر والاستنساخ والعرض والأداء العلني لمصنفات فنية محمية قانوناً دون الحصول على ترخيص من صاحبة الحقوق، معتبرة أن تلك الأفعال تشكل خرقاً صريحاً لمقتضيات قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة المعمول به في المغرب.

ورغم وضوح المسار القضائي وحسمه نهائياً، عادت خلال الأيام الأخيرة بعض الصفحات والحسابات الإلكترونية إلى إعادة تدوير الملف بطريقة وصفت بالمضللة، من خلال تقديم أحكام صدرت خلال سنة 2025 على أنها أحكام جديدة صادرة خلال شهر يونيو 2026، وهو ما خلق حالة من الالتباس لدى جزء من الرأي العام، وأدى إلى تداول معطيات غير دقيقة بشأن طبيعة القضية وتطوراتها الحقيقية.

ويرى متابعون أن إعادة نشر هذه المعطيات خارج سياقها الزمني والقانوني يندرج ضمن محاولة لصناعة رواية مغايرة للوقائع الثابتة، بهدف استدرار تعاطف الجمهور وبعض منظمي المهرجانات والتظاهرات الفنية، في حين أن الأحكام القضائية النهائية تظل موثقة وتحمل تواريخ واضحة لا تحتمل أي تأويل أو لبس.

ولم تتوقف تداعيات هذه الحملة عند حدود نشر معلومات غير دقيقة حول تاريخ الأحكام القضائية وطبيعتها، بل تجاوزتها إلى قيام عدد من الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بنشر رقم الحساب البنكي الخاص بالمتهمة والدعوة إلى جمع تبرعات مالية لفائدتها، استناداً إلى رواية تفيد بأنها تعرضت لحكم قضائي جديد يستوجب التضامن معها.

غير أن هذه الدعوات، وفق المعطيات المتوفرة، تأسست على معلومات مغلوطة مرتبطة بأحكام قضائية سبق أن صدرت وأصبحت نهائية منذ سنة 2025، وهو ما أثار تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى مشروعية استدرار تعاطف الجمهور وجمع الأموال بناء على وقائع قُدمت للرأي العام بصورة مغايرة لحقيقتها الثابتة في الوثائق والأحكام القضائية. كما أن توجيه المتابعين نحو اتخاذ مواقف مبنية على معطيات غير دقيقة من شأنه أن يساهم في تضليل الرأي العام وإبعاده عن الحقيقة القانونية الكاملة كما وردت في الأحكام الصادرة عن المحاكم المختصة.

وتؤكد هذه القضية أن الأمر لا يتعلق بخلاف شخصي بين فنانتين بقدر ما يرتبط بحماية حقوق الملكية الفكرية التي يكفلها القانون المغربي، شأنها في ذلك شأن باقي الحقوق المادية والمعنوية. كما تشكل الأحكام الصادرة فيها سابقة مهمة في مجال حماية حقوق المؤلف بالمغرب، ورسالة واضحة مفادها أن استغلال الأعمال الفنية دون ترخيص لم يعد أمراً يمكن التغاضي عنه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما تبرز هذه الأحكام أن اللجوء إلى القضاء يظل الوسيلة القانونية والحضارية لحماية الإبداع وصون الحقوق المادية والمعنوية للفنانين، بعيداً عن حملات التضليل أو محاولات التأثير على الرأي العام عبر نشر أخبار غير دقيقة أو إخراج الوقائع من سياقها الحقيقي.

ويبقى الثابت في هذا الملف أن الأحكام التي يجري الحديث عنها اليوم ليست وليدة هذا الأسبوع كما تم الترويج لذلك، وإنما هي أحكام قضائية صدرت باسم جلالة الملك محمد السادس نصره الله خلال سنة 2025، وأصبحت معروفة ومؤرخة وموثقة ضمن سجلات القضاء المغربي، في وقت تظل فيه الحقيقة القانونية المستندة إلى الأحكام والوثائق الرسمية أقوى من أي حملة تضليل أو محاولة لإعادة صياغة الوقائع خارج سياقها القضائي والزمني الصحيح.