بقلم/ سيداتي بيدا
في شوارعنا التي ضاقت بساكنيها، لم تعد عربات الوجبات السريعة مجرد حلٍ بائس لجوع عابر، بل تحولت إلى مشاريع قتل رحيم بنكهة التوابل الرخيصة. ما حدث في مدينة صفرو مؤخراً، حيث سقط عشرات المواطنين صرعى لتسمم غذائي كاد يعصف بأرواحهم، ليس مجرد حادثة عابرة تسجل ضد مجهول، بل هي تراجيديا إنسانية مكتملة الأركان تعكس فصلاً دراماتيكياً من فصول الاستهتار بالحق في الحياة. إنه الموت الطازج الذي يباع علانية على قارعة الطريق، وسط تصفيق الصمت الرسمي، ومباركة الجهات الوصية.
المشهد السريالي الساخر يبدأ من (العربة) نفسها هيكل حديدي صدئ يتحدى قوانين الفيزياء والطب، يقف شامخاً في غياب تام للمياه الصالحة للشرب، وفي منأى عن أي نظام تبريد قد يحمي اللحوم المجهولة من التعفن تحت لهيب الشمس. هنا، تُطبخ الميكروبات بعناية، وتخلط الصلصات الفاسدة بضمائر غائبة، لتُقدّم في النهاية “قنبلة موقوتة” ملفوفة في ورق قذر. المفارقة المضحكة المبكية أن المواطن يشتري حتفه بماله، ويهرع طواعية نحو سرير الإنعاش، باحثاً عن شبع سريع ينتهي به في ردهات المستشفيات.هذا العبث الصحي والبيئي يسائل مباشرة الضمائر الحية ومن يعتلون كراسي المسؤولية اصحاب القطاع الوصي أين هي لجان المراقبة؟ وما هو الدور الحقيقي للمكاتب الصحية الإقليمية؟ إن غيابها الشامل يجعلنا نتساءل إن كانت هذه الهياكل قد أُسست لحماية صحة المواطن أم لإحصاء جثث الضحايا بعد كل فاجعة! أما جمعيات حماية المستهلك، فقد أصبحت ظاهرة صوتية بامتياز، تكتفي بـ”دق ناقوس الخطر” بعد أن تقع الفأس في الرأس، وكأن دورها يقتصر على كتابة المراثي وتدبيج بيانات التعزية.
إن التدخل الاستعراضي والموسمي للسلطات بعد وقوع الكوارث، وإغلاق عربة هنا أو مصادرة مقلاة هناك، هو قمة العبث والتقصير الذي يرقى إلى مرتبة التواطؤ الضمني.إننا بحاجة اليوم إلى هزة زجرية تقتلع هذه الفوضى من جذورها، وإلى صياغة مقاربة قانونية رادعة لا تتعامل مع تسميم البشر كمجرد مخالفة تجارية تافهة، بل كجناية موصوفة ضد السلامة الجسدية. يجب إخضاع هذا القطاع العشوائي لرقابة صارمة تفرض الهيكلة والنظافة، أو منعه نهائياً. لقد حان الوقت لتستفيق لجان التفتيش من سباتها العميق؛ فالحياة ليست رخيصة إلى الحد الذي يجعلها ثمناً لساندويتش رصيف فاسد، والكرامة الإنسانية تبدأ أولاً مما يدخل بطون الشعب، لا مما يخرج من وعود المسؤولين.

