ليس من السهل أن يبقى الفنان وفيًّا لجوهره في زمنٍ تُقاس فيه المواقف بميزان الاصطفاف، وتُفسَّر فيه الكلمات بمنطق النوايا المفترضة لا بالمعاني المعلنة. ومع ذلك، يبرز اسم جواد السايح كأحد الأصوات التي اختارت أن تتحمل كلفة الصدق، وأن تقول ما تراه حقًّا في منطقةٍ تعرفها ويعرفها أهلها، دون أن تحتمي بالصمت، أو تختبئ خلف المجاملة المريحة.
جواد السايح ليس ظاهرة عابرة في المشهد الفني، ولا اسمًا طارئًا على الذاكرة الجماعية لعين الشق. هو ابن المكان، تشكّل وعيه بين أزقته، وتكوّنت حساسيته الفنية من تفاصيله اليومية، من نبضه البسيط وهمومه المركّبة. لذلك، حين يتكلم، لا يتكلم من برجٍ عاجي، ولا من موقع المتفرج، بل من موقع المعايشة والانتماء. وهذا بالضبط ما يجعل كلمته صادقة، ومزعجة في الآن نفسه لمن اعتادوا سماع الأصوات المروّضة.
إن ما قاله جواد السايح في حديثه الأخير لم يكن خروجًا عن اللياقة، ولا تجاوزًا للحدود، بل كان تعبيرًا نابعًا من غيرة نبيلة على منطقة تستحق الأفضل، ومن حرصٍ واضح على أن لا تتحول الاستحقاقات الانتخابية إلى مناسبات موسمية بلا أثر حقيقي على حياة الناس. هو لم يهاجم أشخاصًا، ولم يلوّح بمطامع، ولم يقدّم نفسه بديلاً لأحد، بل مارس حقه الطبيعي في إبداء الرأي، كفنان واعٍ، ومواطن مسؤول.
غير أن هذا الموقف الواضح جرى، للأسف، تحريفه عن سياقه، وتمّت محاصرته بحملات تشويش وتشكيك، سعت إلى تصوير الكلمة الحرة وكأنها مؤامرة، وإلى تحويل الغيرة الصادقة إلى مشروعٍ وهمي. هؤلاء الذين شوّشوا على جواد السايح لم يناقشوا الفكرة، ولم يجادلوا بالحجة، بل اختاروا الطريق الأسهل: الطعن، والتخويف، وبثّ الضباب. وهو أسلوب لا يدلّ على قوة الموقف، بقدر ما يكشف عن ضيق الأفق والخوف من الصوت الصريح.
الوقوف مع جواد السايح، في هذا السياق، ليس انحيازًا أعمى، بل هو انحياز لقيمة أعمق: قيمة أن يكون الفنان شاهدًا لا شاهد زور. فالفن، في جوهره، ليس زينة اجتماعية، ولا مادة للاستهلاك السريع، بل هو وعي، وموقف، ومسؤولية أخلاقية تجاه المكان والناس. وجواد السايح، في اختياراته، يذكّرنا بأن الفنان الحقيقي لا ينفصل عن قضايا بيئته، ولا يساوم على صدقه مقابل السلامة المؤقتة.
ثم إن الرجل لم يُخفِ يومًا حبّه لوطنه، ولا ولاءه لملكه، ولم يضع نفسه خارج هذا الإطار الجامع. بل على العكس، فإن كلامه ينطلق من هذا الانتماء، لا ضده. ومن العبث، بل من الظلم، أن يُزايد عليه في وطنيته، أو أن تُختزل مواقفه في قراءات مغرضة تسعى إلى النيل من صورته، لا إلى فهم خطابه.
ما يحتاجه جواد السايح اليوم ليس الدفاع عنه بقدر ما يحتاجه هو الإنصاف: إنصاف الكلمة حين تُقال بنية الإصلاح، وإنصاف الفنان حين يخرج من منطقة الراحة إلى منطقة المسؤولية. فالمجتمع الذي يعاقب أبناءه لأنهم عبّروا بصدق، هو مجتمع يحكم على نفسه بالركود، ويغلق الأبواب في وجه أي نفسٍ نقدي.
إن تشجيع جواد السايح على الاستمرار في التعبير، وفي التفاعل مع قضايا منطقته، هو تشجيع لصوت العقل داخل ضجيج التفاهة، وللغة المعنى داخل فوضى التأويل. وهو أيضًا رسالة واضحة مفادها أن عين الشق ليست فضاءً صامتًا، ولا أرضًا بلا ذاكرة، بل مجال حيّ، يتكلم أبناؤه حين يشعرون بأن الكلام ضرورة لا ترفًا.
جواد السايح، بما راكمه من تجربة فنية وإنسانية، وبما أظهره من شجاعة هادئة، يستحق أن يُقال له: استمر. استمر لأن الفن الذي لا يلامس الواقع يفقد روحه، ولأن الكلمة التي تُقال في وقتها قد تزعج، لكنها في النهاية تُنقذ المعنى. أما الذين شوّشوا، وهاجموا، وحاولوا إخراس الصوت، فسيبقون، مهما علت ضوضاؤهم، خارج الذاكرة، لأن التاريخ لا يحتفظ إلا بمن قالوا ما آمنوا به، لا بمن خافوا من الكلمة.

