الاحداث الوطنية : متابعة .
تطفو على السطح مجددا قضية مؤرقة ومستفزة للضمير الإنساني، ألا وهي قضية المختلين عقليا وترحيلهم القسري نحو مناطق مهمشة وفقيرة ، ففي صرخة مدوية قادمة من ساكنة جماعة الرماني، يعبر السكان عن استيائهم العميق وتذمرهم الشديد إزاء ما يعتبرونه “استقبالًا قسريًا” للمشاكل الاجتماعية والصحية، حيث يتم إنزال أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية بالقرب من جماعتهم، قادمين عبر حافلات تعبر المحور الطرقي بني ملال واد زم، ليجد المواطنون البسطاء أنفسهم في مواجهة تحديات تفوق قدرتهم واستطاعتهم.
إن رفض ساكنة الرماني لهذا “الاستقبال” المجحف يمثل صوت العقل والإنصاف، ويدق ناقوس الخطر إزاء ممارسات لا إنسانية تتنافى مع أبسط مبادئ الكرامة وحقوق الإنسان. فبدلاً من توفير الرعاية الصحية والنفسية اللازمة لهذه الفئة الهشة، وإدماجهم في المجتمع بشكل لائق في مناطقهم الأصلية، يتم ترحيلهم وكأنهم عبء يجب التخلص منه، ليقعوا فريسة للضياع والتهميش في مناطق تعاني أصلا من الهشاشة والفقر.
إن ساكنة الرماني، وهي تطالب بتشديد المراقبة على الحافلات القادمة، لا تعبر فقط عن خوفها وقلقها إزاء الوضع الأمني والصحي الذي قد ينجم عن تواجد هؤلاء الأشخاص دون رعاية أو إشراف، بل تعبر أيضا عن رفضها القاطع لأن يتم تحويل منطقتهم إلى ساحة لاستقبال تبعات إهمال اجتماعي وصحي ، إنهم يرفضون أن يتحملوا وحدهم عبء مسؤولية كان يجب أن تتقاسمها مؤسسات الدولة والمجتمع بأكمله.
إن هذه القضية تكشف عن جوانب مظلمة في طريقة تعاملنا مع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية. فبدلاً من تبني سياسات شاملة تهدف إلى توفير العلاج والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي لهم في بيئاتهم الأصلية، نجد أنفسنا أمام حلول ترقيعية وسطحية، بل وفي بعض الأحيان، أمام ممارسات تنم عن قلة اكتراث بمعاناتهم وحقوقهم وحقوق المجتمعات المستقبلة.
إن ترحيل المختلين عقليًا نحو الجماعات الفقيرة ليس حلا على الإطلاق، بل هو ترحيل للمشكلة وتعميق لجراح مجتمعات تعاني أصلا من نقص في الموارد والخدمات الأساسية ؛ إن هذه الممارسة لا تحترم كرامة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية، ولا تراعي حقوق السكان المحليين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة وضع لا يملكون الأدوات أو الخبرة اللازمة للتعامل معه.
إن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والمؤسسات المعنية لوضع حد لهذه الممارسات غير المقبولة، وتبني استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة للتعامل مع قضية الصحة العقلية ، يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية توفير البنية التحتية اللازمة للعلاج والتأهيل في مختلف المناطق، وتكوين الكوادر المتخصصة، وتفعيل آليات الإدماج الاجتماعي في محيطهم الطبيعي، وتوعية المجتمع بأهمية دعم هذه الفئة وكسر الصورة النمطية السلبية المرتبطة بها.
إن صرخة ساكنة الرماني يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار يدق في ضمير كل مسؤول وكل مواطن ؛ إنها دعوة إلى التحرك العاجل لوضع حد لهذا التهميش واللامبالاة، وإلى تبني حلول إنسانية ومستدامة تضمن حقوق وكرامة جميع أفراد المجتمع، بمن فيهم أولئك الذين يعانون من اضطرابات عقلية وأولئك الذين يستقبلونهم قسرا. إن تجاهل هذه القضية لن يؤدي إلا إلى تفاقمها وتعميق جراح مجتمعنا، بينما تبني حلول جذرية وعادلة هو السبيل الوحيد نحو بناء مجتمع متماسك ومتضامن يحترم إنسانية كل فرد فيه.
الرماني تستقبل المختلين عقليا قسرا: صرخة ساكنة في وجه التهميش واللامبالاة .

