
بقلم: حبيل رشيد
في سياق يتسم بتسارع أوراش الإصلاح التربوي وتزايد الرهانات المرتبطة بجودة المدرسة العمومية، اختارت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء–سطات تعزيز قنوات التشاور المؤسساتي، من خلال عقد لقاء تواصلي جمع مدير الأكاديمية، السيد محمد ديب، برؤساء اللجن والمنتخبين أعضاء المجلس الإداري، يوم الثلاثاء 03 نونبر 2026، بحضور رئيس مصلحة التواصل وتتبع أشغال المجلس الإداري بالأكاديمية.
ويأتي هذا اللقاء في سياق ترسيخ المقاربة التشاركية، وتوسيع دائرة النقاش حول حصيلة التدبير التربوي والإداري، بما يجعل المجلس الإداري فضاءً لتبادل الرؤى وتقديم المقترحات بشأن القضايا التي تهم المنظومة التعليمية على مستوى الجهة، خصوصاً في مرحلة تقتضي تقييماً موضوعياً للمكتسبات واستحضاراً دقيقاً للتحديات القائمة.
وقد شكل مستجدات الدخول المدرسي الحالي محوراً أساسياً في أشغال الاجتماع، حيث قدم السيد مدير الأكاديمية عرضاً حول ظروف انطلاق الموسم الدراسي، الذي مر، وفق المعطيات المقدمة خلال اللقاء، في أجواء إيجابية طبعتها التعبئة والانخراط المسؤول لمختلف المتدخلين، مستعرضاً في الوقت ذاته أبرز النتائج والحصيلة المرحلية للجهود المبذولة على مستوى الأكاديمية ومديرياتها الإقليمية.
وشملت هذه الحصيلة مجموعة من الأوراش ذات الارتباط المباشر بحق التمدرس وجودة التعلمات، وفي مقدمتها توسيع العرض المدرسي، وتعزيز برامج التمدرس الاستدراكي، وتحسين مستوى التحكم في التعلمات، وإحداث المؤسسات التعليمية وتوسيعها، إلى جانب تدبير الموارد البشرية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لضمان استمرارية المرفق التعليمي وتحقيق أهدافه التربوية.
غير أن استعراض الحصيلة يظل، في جوهره، مدخلاً لمناقشة ما ينتظر المنظومة الجهوية من تحديات؛ إذ توقف اللقاء عند عدد من الملفات التي ما تزال تستدعي مواصلة التعبئة والتدخل، وفي مقدمتها الحد من الهدر المدرسي، والتصدي للاكتظاظ، ومعالجة الخصاص، وتعزيز الدعم التربوي المؤسساتي، لاسيما بالمستويات الإشهادية، بما يتيح تحسين مكتسبات المتعلمات والمتعلمين، والرفع من نسب النجاح، وتطوير الأداء التربوي داخل المؤسسات التعليمية.
وتكتسي هذه الأوراش أهمية خاصة بالنظر إلى ترابطها؛ فتوسيع العرض المدرسي، على سبيل المثال، يظل رهيناً بمدى مواكبته بالموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، كما أن تحسين نتائج المتعلمين يرتبط بتجويد الممارسات التربوية، وتوفير الدعم المناسب، والتدخل المبكر لمعالجة التعثرات. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يتجاوز مجرد توسيع البنيات أو إطلاق البرامج، ليشمل ضمان أثر ملموس ومستدام على جودة التعلمات والإنصاف وتكافؤ الفرص.
وفي امتداد لهذا النقاش، استأثرت حصيلة تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 باهتمام المشاركين، باعتبارها محطة أساسية لاستشراف المرحلة المقبلة من الإصلاح التربوي. وقد شكلت المؤشرات المرتبطة بتنزيل هذه الخارطة مناسبة للتوقف عند المكتسبات المحققة، واستحضار ما تفرضه المرحلة من مراجعة وتطوير وتنسيق للجهود، بما يضمن الانتقال من منطق تنفيذ الأوراش إلى منطق قياس أثرها على الحياة المدرسية والمسار الدراسي للمتعلمين.
ومن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستضع مختلف الفاعلين أمام مسؤولية مضاعفة، قوامها تثمين النتائج الإيجابية، ومعالجة الاختلالات القائمة، وتعزيز التقائية المبادرات والبرامج، فضلاً عن ترسيخ ثقافة التقييم والتتبع وربط التدخلات بالأهداف المحددة. فالإصلاح التربوي، باعتباره ورشاً مجتمعياً ومؤسساتياً متواصلاً، يحتاج إلى تعبئة جماعية تتجاوز حدود التدبير الإداري، وتنفتح على مساهمة مختلف الشركاء والمنتخبين والفاعلين التربويين.
وقد أتاح الاجتماع لرؤساء اللجن والمنتخبين أعضاء المجلس الإداري تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم وتوصياتهم، في نقاش تفاعلي تناول سبل تجويد العرض التربوي، وتحسين نجاعة التدبير، وتعزيز أداء المنظومة التعليمية بالجهة. وهي مساهمات تبرز أهمية الأدوار الاستشارية والتداولية للمجلس الإداري، باعتباره إطاراً مؤسساتياً لتبادل التصورات وتقديم البدائل بشأن القضايا المرتبطة بمستقبل التربية والتكوين.
إن الرهان المطروح أمام أكاديمية الدار البيضاء–سطات، في ضوء هذه المحطة التواصلية، يتمثل في تحويل النقاش المؤسساتي إلى قوة اقتراحية ومبادرات قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يجعل حصيلة الدخول المدرسي منطلقاً لتطوير الأداء، ومناسبة لتحديد الأولويات، لا مجرد محطة لاستعراض الأرقام والنتائج.
فجودة المدرسة العمومية تُقاس في نهاية المطاف بما يكتسبه المتعلم داخل الفصل، وبمدى قدرته على مواصلة مساره الدراسي في ظروف منصفة ومحفزة، وبقدرة المؤسسات التعليمية على تجاوز أعطاب الاكتظاظ والهدر والخصاص. وبين حصيلة موسم دراسي وتطلعات مرحلة إصلاحية جديدة، تظل قيمة العمل المؤسساتي مرتبطة بمدى قدرته على ترجمة التشاور إلى قرارات، والبرامج إلى نتائج، والتعبئة إلى أثر ملموس في واقع المدرسة العمومية.

